أي دور للمجتمع المدني بالنظام السياسي الفلسطيني؟

كان أمرا لافتا مشاركة قادة فصائل فلسطينية في الندوة (الجزيرة)
كان أمرا لافتا مشاركة قادة فصائل فلسطينية في الندوة (الجزيرة)

خليل مبروك-إسطنبول

عكست المشاركة الواسعة للأكاديميين والشخصيات المستقلة في ندوة سياسية بمدينة إسطنبول التركية؛ تمدد المجتمع المدني الفلسطيني في حجمه، لكن الاتهامات لم تتوقف عن غياب الدور وضعف التأثير في صناعة القرار.

وربط المشاركون في الندوة التي نظمها مركز "رؤية" للتنمية السياسية تحت عنوان "النظام السياسي الفلسطيني.. المحددات والفرص والتحديات"، ضعف دور المجتمع المدني بتراجع الحالة السياسية الفلسطينية عموما، خاصة خلال سنوات الانقسام.

وتكمن أهمية الندوة -التي افتتحت أمس الجمعة- بتزامنها مع إجراءات المصالحة الفلسطينية التي تضع على أجندتها ملف إعادة تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية كمظلة للنظام السياسي الفلسطيني، عبر تمكين "الإطار القيادي الموسع" الذي تشارك فيه كافة الفصائل بما فيها حركتا حماس والجهاد الإسلامي.

كما تمتاز الندوة -التي تختتم اليوم السبت- عن الفعاليات التقليدية بمشاركة طيف من قادة الفصائل بينهم ممثل حركة فتح محمد اشتية، والقيادي بحركة حماس موسى أبو مرزوق، والقيادي بحركة الجهاد الإسلامي محمد الهندي، والقيادي بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أبو أحمد فؤاد، وممثلون عن معظم الفصائل الفلسطينية.

وخلال سنوات الانقسام العشر، ظهرت مبادرات محدودة لرجال المجتمع الفلسطيني غير السياسيين الذين تحركوا للإصلاح بين حركتي فتح وحماس، لكن كافة محاولاتهم كانت تفتقد الزخم والقدرة على تحقيق اختراق في جدار الانقسام.

كما بذلت الشخصيات المستقلة جهودا كبيرة في ملف الحريات ومحاولات التصدي للاعتقالات السياسية والفصل الوظيفي والتعذيب على خلفية الانتماء السياسي، دون أن تنجح في كبح جماح التغول الأمني على الحياة المدنية.

وفاء عبد الرحمن: المجتمع المدني الفلسطيني أصبح مرادفا للحياد السياسي والفردية في الأداء (الجزيرة)

سؤال الدور
وتعد البيئة السياسية الفلسطينية من الناحية النظرية حاضنة مثالية لمؤسسات المجتمع المدني التي بدأت بالتشكل فعليا في ظل قانون الجمعيات العثماني مطلع القرن الماضي، قبل أن تتطور داخل البنية المؤسسسية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

كما أسست الفصائل والقوى السياسية الفلسطينية منظمات قطاعية للشباب والمرأة والنقابات المهنية كان يُفترض أن تسهم في إثراء تجربة المجتمع المدني الفلسطيني.

ويتمتع قادة المجتمع المدني بمساحة "البديل" عن القوى السياسية التي تواجه في كثير من الأحيان عقبات أمنية في العمل والتحرك جراء الملاحقات الإسرائيلية، خاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال.

كما يحظون بفرص كبيرة للحصول على الدعم والتمويل الخارجي من قبل كثير من الأطراف التي تعتبر مؤسسات المجتمع المدني بوابات للتأثير في القضية الفلسطينية.

وخلقت كل تلك الفرص انتشارا واسعا للمؤسسات والجمعيات والمنظمات والشخصيات الأكاديمية والاعتبارية غير الحزبية شكلت بمجموعها المجتمع المدني الفلسطيني، لكنها لم تكن كافية لدفعه إلى ممارسة دور كبير في النظام السياسي الفلسطيني.

وظهر قصور أداء المجتمع المدني مع عجزه عن ملء الفراغ الناشئ عن تراجع القوى والفصائل السياسية منذ الانقسام الذي عصف بالقضية الفلسطينية عام 2007.

طبيعة الدور
وتلخص مديرة مؤسسة "فلسطينيات" المتخصصة في شؤون الشباب والمرأة وفاء عبد الرحمن مظاهر انكفاء المجتمع المدني الفلسطيني بالقول إنه أصبح مرادفا "للحياد السياسي" والفردية في الأداء.

وتشير إلى توظيف المجتمع المدني في أحيان كثيرة لخدمة الأجندة الحزبية، مذكرة باستخدام نقابات الموظفين لإفشال الحكومة الفلسطينية العاشرة التي شكلها إسماعيل هنية عقب فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006.

وتقترح الناشطة الفلسطينية التي قدمت ورقة عمل في ندوة "النظام السياسي الفلسطيني" مجموعة إجراءات من شأنها إعادة الاعتبار للمجتمع المدني، من بينها إجراء الانتخابات النقابية والطلابية، وتجريم التعدي على المؤسسات، ورعاية الفضاءات المتشكلة خارج الأطر السياسية.

أما رئيس مركز "مسارات" الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري فيعتقد أنه من الصعب أن يقوم المجتمع المدني بدوره في ظل تراجع المشروع الوطني وفي ظل الانقسام الفلسطيني، لا سيما مع بقاء تمويل المجتمع المدني بمنظماته المختلفة بيد دول وأطراف خارجية.

ويقول المصري -الذي التقته الجزيرة نت في إسطنبول- إن المجتمع المدني الفلسطيني لا يستطيع ممارسة دور سياسي مباشر لأن ذلك مسؤولية الأحزاب، كما أنه لا يستطيع تعويض ضعف الأحزاب وتراجعها عن دورها.

ويرى أن النظام السياسي الفردي الحالي أثر سلبا على المجتمع المدني الفلسطيني الذي يعنى أساسا بالحقوق والحريات وسيادة القانون والمساءلة والمحاسبة، موضحا أن الجسم الأكبر من المجتمع المدني يتكيف ويدين بالولاء للسلطة الحاكمة والمتنفذة. أما الأجزاء التي تحافظ على دورها الاستقلالي فتظل ضعيفة.

المصدر : الجزيرة