مخيمات الروهينغا.. قصص الموت ووقائع القيامة

روهينغيون نجوا من الموت في ميانمار فاستقبلهم اليأس والمرض والجوع في بنغلاديش (الجزيرة نت)
روهينغيون نجوا من الموت في ميانمار فاستقبلهم اليأس والمرض والجوع في بنغلاديش (الجزيرة نت)

سيد أحمد الخضر-كوكس بازار (بنغلاديش) 

داخل خباء ضيق وهش ورث، تطْبق المصائب كلها على العجوز الروهينغية شانديدا، إلى جانب سبعة أشخاص آخرين جمعتها وإياهم كروب الماضي وأهوال الحاضر وقتامة المستقبل.

فرّت شانديدا من منزلها في ولاية أراكان (راخين) شمالي غربي ميانمار عندما بدأ الجيش حملته العسكرية الدامية ضد أقلية الروهينغا المسلمة يوم 25 أغسطس/آب الماضي.

وبعد أن عبرت إلى بنغلاديش المجاورة، اكتشفت أن العالم لا يكترث بها، وأن كل ما يمكنها الحصول عليه هو ملجأ بمخيم يُحشر بداخله آلاف الجوعى، إذا سكتوا يُحرمون وإذا سألوا يُنهرون.

تروي شانديدا وهي المسنة النحيلة أن الطعام المتوفر لا يكفي لإخماد لهب الجوع، وأنها لا تحصل بشكل دائم إلا على الماء لأن خباءها بجوار صنبور أقامته هيئة إغاثية للنازحين.

ويبدو علي حسن أسوأ وضعا من شانديدا، إذ يسكن مع أحد عشر شخصا في خباء مساحته أربعة أمتار فقط، قائلا إنهم يحصلون على القليل من الطعام ويعيشون الموت وهم على قيد الحياة.

عجائز الروهينغا هربن من البطش وشكون بخل العالم عليهن بالطعام والمأوى (الجزيرة نت)

أخبية
تقع هذه الأخبية في مخيم أقيم على عجل فوق تلال محاذية لخليج البنغال، حيث يُدمن الماء غزو اليابسة فيعرّي بؤس المساكين ويعبث بأمتعتهم التافهة، قبل أن يتركهم وسط المستنقعات.

تقطع المستنقعات أوصال مخيم "بالوكالي 2″، فتنبعث من أرجائه الروائح الكريهة، ويقع بداخله ما لم يخطر على قلب بشر من الأذى والعوز وانعدام الحيلة وتبدد الأمل.

ووسط هذا الوضع المأساوي، يلتهم البعوض الأجساد الهزيلة ثم سرعان ما ينخرها المرض لتنقل إلى مراكز ونقاط صحية غير قادرة إلا على تقديم المهدئات والعلاجات الأولية.

تتكدس بداخل المخيم 15 ألف عائلة روهينغية، أي ما يقارب 70 ألف نسمة، وفق الرائد نفيس الذي يقود فرقة عسكرية تشرف على توزيع المساعدات وضمان الأمن وتمنع النازحين في الوقت ذاته من الخروج إلى الشارع للتسول أو التسلل إلى المدن البنغالية.

انتظار الطعام في مخيمات الروهينغا لا يقل قسوة عن ألم الجوع (الجزيرة نت)

المواد الأساسية
ويوضح الرائد نفيس أن الهيئات الخيرية توزع على النازحين المواد الغذائية الأساسية مثل الأرز والزيت ومبالغ نقدية ضئيلة جدا تتراوح قيمتها بين الدولار والدولارين.

لكن الحصول على هذه المواد ليس مضمونا دائما، فبعض النازحين منحهم برنامج الغذاء العالمي بطاقات تموين، وبعد وصولهم إلى منطقة توزيع المساعدات وجدوها نفدت بالكامل.

وفي جوار مخيمات الروهينغا بضواحي كوكس بازار البنغالية، يتفصد الآلاف عرقا داخل طوابير تسقفها الشمس وتمتد لمئات الأمتار، وذلك من أجل الحصول على وجبة لا تسمن ولا تغني من جوع.

توفر الهيئات الإغاثية حماما واحدا لكل مئة شخص، في وقت يتردد على النقاط الصحية بمخيمي بالوكالي 1 و2 ما يربو على مئتي مريض يوميا يعانون من الصداع والحمى والإسهال والإجهاد، إلى جانب حالات حرجة لا يسمح لأصحابها بالمغادرة لتقلي العلاج في مدن بنغلاديش.

وترى لولي مورون -العاملة بمنظمة "هوب فوندايشن" الأميركية- أن الوضع في مخيمات الروهينغا لا يمكن وصفه، فـ"قصصهم فظيعة وأوضاعهم بئيسة ومحزنة".

وتوضح أن منظمتها تقدم المساعدة الطبية لأعداد هائلة من الحوامل في مخيم "بالوكالي 2″، وأنها تجلب القابلات لتوليدهن، مشيرة إلى أن العديد من الأطفال قدموا إلى الدنيا بينما "عائلاتهم تعيش أهوال القيامة."

حمولة البؤس تبدو أشد وطأة من ثقل الأكياس (الجزيرة نت)

السخط والأمل
بيد أن السخط من هذه المأساة لا مبرر له في نظر الأرملة ريحانة، "فكل عذاب خير من البقاء في ميانمار، والموت هناك هو البديل لهذه الوضعية المأساوية" في مخيمات اللجوء.

يوافقها الرأي حسين، لكنه يشعر بالأمل بعد أن نجا من الموت، ويريد العودة لقريته في أقرب فرصة بشرط ضمان الأمان في إقليم أراكان.

وكذلك تستعجل الشابة نور حبيب العودة لقرية كولي بازار بولاية أراكان، حيث كانت تعيش في يسر تحوّل إلى عسر بعد فرارها إلى بنغلاديش.

هذا الأمل أساسه ما تتناوله الصحافة البنغالية من أن رئيسة الوزراء الشيخة حسينة واجد توصلت لتفاهمات مع ميانمار تقضي بالعمل على عودة 509 آلاف روهينغي فروا من قراهم ومدنهم منذ أواخر أغسطس/آب الماضي.

وقبل يومين أوفدت ميانمار وزيرا إلى بنغلاديش لمناقشة الأزمة وتعهد بالسماح بعودة الروهينغا وفق شروط وترتيبات تضعها لجنة مشتركة من الجانبين في وقت لاحق.

لكن المراقبين هنا يرون أن هذه التصريحات لا ينبغي أخذها على محمل الجد، لأن ميانمار دأبت على إطلاق الوعود وإخلافها منذ بدء أزمة الروهينغا في العام 1978.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

لا يزال المئات من النازحين الروهينغيين يفرون يوميا من ولاية أركان شمالي ميانمار ويعبرون إلى معسكرات النزوح في بنغلاديش، بيد أن الوصول لبنغلاديش لا يعني لهؤلاء المساكين الخلاص من شقائهم.

عبر مئات الروهينغا الاثنين إلى بنغلاديش وسط استمرار الحملة العسكرية التي يشنها جيش ميانمار ضد هذه الأقلية المسلمة منذ أواخر أغسطس/آب الماضي، وتحدث بعض النازحين إلى الجزيرة نت عن معاناتهم.

معاناة اللاجئين الروهينغا ما تزال مستمرة، وتزداد حدة مع استمرار تدفق أعداد كبيرة إلى المخيمات ببنغلاديش حيث تجاوز عددهم 400 ألف، في ظل شح المساعدات واستمرار انتهاكات سلطات ميانمار.

في ظل صمت عالمي واكتفاء بالتنديد والشجب، يتواصل واقع مرير يواجه الروهينغا بولاية أراكان بميانمار، وهم يتأرجحون بين نار جيش ومليشيات بوذية متطرفة بالداخل، وبين حلم اللجوء لجزيرة “جنة” ببنغلاديش.

المزيد من أزمات
الأكثر قراءة