كردستان وكتالونيا.. مصالح الآخرين تنهي أحلام الدولة

إعلان استقلال كتالونيا جوبه بتعليق الحكم الذاتي ورفض دولي للاعتراف به (رويترز)
إعلان استقلال كتالونيا جوبه بتعليق الحكم الذاتي ورفض دولي للاعتراف به (رويترز)
محمد النجار-الجزيرة نت

لم يكد يمضي شهر واحد على استفتاءي الاستقلال اللذين أجريا في كل من كردستان العراق وإقليم كتالونيا الإسباني، حتى بدا أن حلم الاستقلال قد انتهى أو تأجل إلى أجل غير مسمى، واللافت أن الاستفتاءين وحدا العالم المنقسم على نفسه، بل وجمعا تناقضات السياسة على طاولات المصالح.
وعلى الرغم من الاختلافات الجوهرية بين الاستفتاءين، والظروف القانونية والجيوسياسية التي أدت لمعارضة طموح شعبي القوميتين الكردية والكتالونية، فإن ما جمع بينهما أنهما أجريا في أسبوع واحد عصف بعالم تحفه الأزمات، إضافة إلى أن هناك من يرى أن طموحات السياسيين في الحالتين أخذت شعبي الاقليمين نحو المجهول ولو مؤقتا.

وتكاد تكون إسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي أعلنت تأييدها لاستقلال الإقليمين، في وقت أعلنت العواصم المؤثرة إقليميا ودوليا معارضتها له، باختلاف في مستوى لهجة الرفض.
في حالة كردستان لعبت عوامل دفعت رئيس الإقليم مسعود البارزاني للإصرار على إجراء الاستفتاء، لخصها الدكتور إبراهيم فريحات رئيس برنامج إدارة النزاعات في معهد الدوحة للدراسات العليا في حديث سابق للجزيرة بثلاثة عوامل.

ثلاثة عوامل
أولها سعي البارزاني لانتزاع الاستفتاء وليس انتظار المفاوضات، خاصة وأن الرجل هو صاحب المقولة المشهورة "إن الحدود ترسم بالدم".

والثاني أن الساسة الأكراد أرادوا استغلال الظرف التاريخي، لاسيما وأنهم يرون أنهم ربما في أكثر مراحلهم التاريخية قوة، وأربيل قد تكون أكثر الأماكن أمانا في العراق، والبشمركة من بين أكبر القوات الموجودة في المنطقة، والدولة قائمة على الأرض بالفعل في كردستان بمؤسساتها وجيشها.
ويتابع فريحات إن العامل الثالث هو الهوية، والأكراد يتميزون بالشعور بانتمائهم وحقهم في دولة، وهي عوامل تفسر سبب الإصرار في هذه اللحظة على إجراء الاستفتاء.

لكن هذه العوامل التي أغرت قادة الإقليم لإجراء الاستفتاء تحطمت على صخرة توحد ثلاث عواصم إقليمية متضررة مباشرة من إقامة الحلم الكردي، فتوحدت بغداد وأنقرة وطهران وتناست خلافاتها وتناقضاتها ولو مؤقتا، وهذا تلخصه صور الزيارات واللقاءات الدافئة لمسؤولين عسكريين ومدنيين من البلدان الثلاثة، توجتها زيارة كل من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لطهران، ثم في جولة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي التي شملت أنقرة وطهران.

خسائر الأكراد
إضافة لذلك فإن خسائر الأكراد من الاستفتاء كانت تاريخية أيضا، فقد خسروا كافة المناطق التي سيطروا عليها عام 2014، وكثيرا من الأراضي التي سيطروا عليها عام 2003، والخسارة الأكبر تمثلت بانسحاب البشمركة من محافظة كركوك الإستراتيجية التي عملوا طويلا على بسط سيطرتهم عليها، وطالما اتهموا بتغيير طبيعتها الديموغرافية لصالحهم، وهو ما ينفونه تماما.

وما زالت خسائر الاكراد تتوالى، حيث يتجهون لفقدان منافذ حدودية كانوا يشرفون عليها بالكامل مع تركيا وإيران لصالح القوات الاتحادية العراقية، وإدارة مطاراتهم التي عززت من السياحة والتجارة وعلاقات العالم الخارجي مع الإقليم، ليعودوا إلى ما قبل المربع الأول.
وفي حالة كردستان أيضا، يبدو أن البارزاني يتجه لدفع الثمن من مستقبله السياسي، حيث يتوقع سياسيون أكراد أن يعلن الرجل تنحيه، رغم أن ذلك ما زال مجرد شائعات وتكهنات قد لا تتحقق.
 
استقلال كتالونيا
أما كتالونيا، فهو الإقليم الذي ركب سياسيوه وخاصة رئيس الحكومة كارلس بوغديمونت على ظهر سفينة النزعة القومية لشعبها مدفوعة بثقافة الاتهامات الموجهة للسياسيين بالعاصمة الإسبانية مدريد بالفساد الذي يبدد ثروات البلاد التي يسهم الإقليم بـ 20% منها.
 
والحالة تختلف هنا بأن هذا الإقليم ذهب فعلا لإعلان الاستقلال عن إسبانيا، وهي خطوة لم تبلغها كردستان وإن كانت ترغب بها، لكن إعلان كتالونيا منح الحكومة المركزية مدريد برئاسة ماريانو راخوي فرصا لإجراءات قوية منها تعطيل الحكم الذاتي وحل حكومته وبرلمانه والدعوة لانتخابات نهاية هذا العام.

وبالرغم من أن الخطوات القانونية التي أعلنتها مدريد لن تقتل على ما يبدو النزعة القومية للكتالونيين فإنها تعبر عن واقع محلي يمنع ولادة جمهورية جديدة عوضا عن واقع دولي عبرت عنه المواقف القادمة من الجيران في أوروبا، ومن بقية العواصم المؤثرة في العالم أعلنت عدم اعترافها بإعلان الاستقلال.

وعلى خطى البارزاني، يبدو أن بوغديمونت يتجه لدفع ثمن مغامرات السياسيين الكتالونيين، فالرجل فقد منصبه الذي تولاه راخوي مؤقتا كما أنه بات مطلوبا للقضاء الإسباني.

ويبدو أن العالم -الذي شهد ولادة 27 دولة منذ عام 1990 رفعت عدد الدول المعترف بها في الأمم المتحدة إلى 192- ليس مستعدا للاعتراف بكيانات جديدة، لاسيما وأن ظهور دولة كردستان يعني ولادة دولة قومية لن تقتصر حدودها على شمال العراق بل ستتمدد لتشمل أراضي شاسعة وكتلا سكانية ضخمة من سوريا والعراق وإيران وتركيا.

وفي حالة كتالونيا، فإن القادة الأوروبيين الذي توالت مواقفهم الرافضة للاعتراف باستقلاله وتأييد إجراءات حكومة مدريد، تبدو أعينهم على بلدانهم التي تعيش أقاليم عدة فيها النزعة نحو الاستقلال، خاصة وأن أكثر من دولة مرشحة لتكرار سيناريو يوغسلافيا التي انقسمت لسبع دول مستقلة.
المصدر : الجزيرة + وكالات,مواقع إلكترونية