"الإتاوة".. الأسد يمول حربه من عرق الشعب

سكان المناطق المحاصرة يعانون من ندرة المواد الغذائية وارتفاع أسعارها (الجزيرة)
سكان المناطق المحاصرة يعانون من ندرة المواد الغذائية وارتفاع أسعارها (الجزيرة)

محمد الجزائري-ريف دمشق

يضرب النظام السوري من خلال محاصرته مناطق المعارضة عصفورين بحجر واحد؛ فمن جهة يمنع عنها الغذاء والدواء ضمن حرب استنزاف، ومن جهة أخرى يوفر تمويلا لحربه من خلال ما يجنيه من مداخيل عندما يسمح بإدخال المواد الغذائية للقرى والمدن المحاصرة.

وبعملية حسابية بسيطة، فإن النظام يفرض على كل كيلوغرام واحد يسمح بإدخاله للغوطة الشرقية بريف دمشق مبلغ ألفي ليرة سورية، أي ما يعادل أربعة دولارات كضريبة، أو ما تعرف محليا "بالإتاوة"، وهي مبلغ مادي يفرض على سعر المادة؛ ونتيجة لذلك تصل المادة للأهالي بأسعار مضاعفة تفوق عشرة أضعاف، في ظل غياب القدرة الشرائية وانتشار البطالة بشكل كبير.

ولكي تنجح هذه السياسة، يعتمد النظام على عدد من التجار الموالين له، ففي الغوطة الشرقية مثلا، يعكف هؤلاء على إدخال كميات محدودة من المواد الغذائية بأسعار مرتفعة جدا بعد فترة تجويع طويلة مستغلين حاجة الأهالي، ومن ثم تحقيق أرباح كبيرة.

جوع مأجور
ويقول في هذا الصدد مدير العلاقات العامة في إدارة التجارة والاقتصاد التابعة لحكومة المعارضة محمد الشامي "خلال العقد الماضي تجاوزت قيمة الإتاوة المفروضة حاجز ثمانمئة ليرة سورية (2.6 دولار) على كل كيلوغرام واحد، ووصل المبلغ الإجمالي خلال أربعين يوما إلى ما يقارب أربعة مليارات ليرة سورية، أي ما يعادل 8.6 ملايين دولار، يضاف إليها قيمة المادة الحقيقية".

وأضاف الشامي أن النظام "لا يسمح خلال فترة العقد بإدخال المواد القابلة للتخزين والمواد الأولية اللازمة للتصنيع، وأيضاً المواد التي تدخل في مجال الزراعة كالمبيدات والبذور والأدوية الزراعية".

ولا يقتصر فرض هذه الضرائب على مناطق دون غيرها، بل تشمل كافة المناطق المحاصرة، ففي بلدات جنوب العاصمة دمشق أعاد النظام نسبة الضريبة المفروضة على المواد الغذائية الداخلة عبر المعبر الوحيد لبلدة ببيلا إلى 10% من سعر المادة المدخلة بعد أن رفعها لخمسة أضعاف قبل عدة أسابيع.

نظام الأسد استعمل سلاح الحصار بالإضافة إلى الحرب العسكرية لإخضاع الشعب السوري (الجزيرة)

قائمة ممنوعات
وفي ريف حمص لا تختلف المعاناة عما هي عليه في ريف دمشق، حيث يوجد في الريف الحمصي معبران إلى المناطق المحاصرة: الأول يحمل الطابع الإنساني، وهو معبر بلدة الدار الكبيرة، والثاني تجاري وهو غير رسمي يسمى معبر أكراد إبراهيم.

ويقوم التجار الموالون للنظام السوري ببيع البضائع لسكان ريف حمص عن طريق التعامل مع عدد محدود من تجار التجزئة، حيث يفرض التجار الموالون للنظام ضرائب تضاف إلى أسعار البضائع المرتفعة أصلا، ثم يتم بيعها للسكان، مستغلين بذلك حاجتهم جراء الحصار المفروض على الريف منذ سنوات.

ويقول سالم بكار -وهو أحد أصحاب محال بيع المواد الغذائية- إن الكثير من سكان الريف غير قادرين على شراء أغلب المواد في ظل الحصار المفروض عليهم بسبب ارتفاع الأسعار.

ومن نماذج ذلك أن الزيوت النباتية في مناطق النظام سعرها تسعمئة ليرة سوريا (1.7 دولار) وتصل عن طريق التجار مع الضرائب والأرباح إلى 1350 ليرة سورية (2.6 دولار).

وتشترك كافلة المناطق المحاصرة بقائمة الممنوعات من الدخول لها، التي تتمثل في الأدوية والمعدات الطبية والقمح والبذور الزراعية والمحروقات وغيرها.

كما يمنع إدخال مواد البناء والمواد الأولية التي تستخدمها المعامل في الإنتاج، وقطع الغيار الخاصة بالسيارات والإلكترونيات ومولدات الكهرباء ومضخات المياه، الأمر الذي يزيد من الأعباء على الأهالي.

الاستنزاف الداخلي
ويصف مؤيد الحسن -أحد تجار الخردة- جانبا من الواقع الذي يعيشه سكان المنطقة بالقول "ما يباع اليوم لا بديل عنه وما يتعطل من أجهزة ومحركات لا يمكن إصلاحه، وهذه هي طريقة الاستنزاف الداخلي المتبعة من قبل النظام لحسم المعركة عن طريق إيقاف الحياة".

ولا يتوقف جشع النظام عند هذا المستوى، فهو يلهث نحو أرباح إضافية ومكاسب اقتصادية أخرى بسحبه العملات الأجنبية من المناطق المحاصرة عن طريق عملائه الذين يدخلون الحوالات الخارجية بالعملة السورية ليستفيدوا من العملة الصعبة.

ويستفيد هؤلاء من فرق الصرف بين مناطق سيطرة المعارضة ومناطق سيطرة النظام، وهو ما قال عنه نقيب الصرافين في الغوطة الشرقية بريف دمشق أبو إسكندر إن "80% من الأموال المحولة للغوطة تعود لاقتصاد النظام عن طريق أجور الحوالات وفرق أسعار الصرف، وإدخال البضائع بسعر يصل لعشرة أضعاف سعرها الحقيقي".

المصدر : الجزيرة