أزمة كتالونيا ومؤشرات التصدع في البيت الأوروبي

متظاهرون ببرشلونة بإقليم كتالونيا يطالبون بتفعيل نتائج الاستفتاء والانفصال عن إسبانيا (رويترز)
متظاهرون ببرشلونة بإقليم كتالونيا يطالبون بتفعيل نتائج الاستفتاء والانفصال عن إسبانيا (رويترز)
زهير حمداني
 
اشتبكت المعطيات الجغرافية والاقتصادية والتاريخية في إقليم كتالونيا في إسبانيا لتفرز التوجهات الانفصالية الراهنة التي تضرب إسبانيا ووحدتها الجغرافية والسياسية، والتي تشكل أيضا بداية شرخ في جدار البيت الأوروبي، الذي اعتبر عصيا على التفكك بفعل المنظومة الديمقراطية العريقة.
 
وجاء الاستفتاء في إقليم كتالونيا وتأكيد رغبة 90% من السكان في الاستقلال عن إسبانيا ليشكل عاملا جديدا هز إسبانيا، البلد الأوروبي الذي يعاني أزمة اقتصادية كبيرة، حيث يرى سكان الإقليم أن ثرواتهم كانت الرافعة الاقتصادية للبلد المنهك.
 
وتشكل المطالب الانفصالية تعبيرا عن عمق الشعور بالهوية الكتالونية المتميزة، والتي تجسدت في كيان شبه مستقل خلال القرنين 11 و12 ميلادي وأثناء الحكم الجمهوري في إسبانيا منذ عام 1931 وتعمق الشعور في عهد الجنرال فرانسيسكو فرانكو الذي ألغى الحكم الذاتي للإقليم، إلى حين عودة الملكية عام 1975 لتعيد للكيان حكما ذاتيا موسعا.
 
ولعل الصراع بين الإقليم في كتالونيا والمركز في مدريد -والمتخم بصراعات الهوية والنفوذ الاقتصادي وبآثار الإجراءات التي بدأت الحكومة الإسبانية باتخاذها لإحباط انفصال الإقليم-، يعبر عن أزمة متصاعدة في الهوية والشرعية السياسية للاتحاد الأوروبي برمته، وفق ما ورد بافتتاحية لصحيفة "ذي أوبزيرفر" البريطانية.
ناخبون يدلون بأصواتهم في استفتاء توسيع الحكم الذاتي في لومبارديا في ميلانو بإيطاليا (الأوروبية)
تخوفات أوروبية
ويرفض الاتحاد الأوروبي التوجهات الانفصالية لإقليم كتالونيا، وأكد رئيس البرلمان الأوروبي أنطونيو تياني أن لا أحد في أوروبا سيعترف بانفصال كتالونيا، معتبرا أنه عمل خارج القانون، في حين أيدت كل من فرنسا وألمانيا موقف مدريد بشدة  في الأزمة، واعتبرت معظم دول الاتحاد أن الأمر يعد قضية داخلية إسبانية، في تأييد واضح لموقف مدريد.
 
وهذه المواقف الأوروبية المهجوسة من قبل باستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد، تعبر عن خشية من حصول شرخ كبير في هيكل البناء الأوروبي، الذي بدا نموذجا في التماسك منذ إنشائه عام 1957 وتوسيعه لاحقا ضمن معاهدة ماستريخت عام 1992 وبعدها، وهي تعي جيدا تبعاته الخطيرة في تفشي النزعات الانفصالية في الجسد الأوروبي وفق "نظرية الدومينو".
 
وإذا كانت الدعوات الانفصالية تلقى ترحيبا من التيارات اليمينية في أوروبا، فإن نخبا وقوى سياسية ومجتمعية عديدة ترى أن بروز دعوات الاستقلال داخل الاتحاد الأوروبي في حد ذاته مؤشرا سلبيا وخطيرا، وأن انفصال أي إقليم -خصوصا في غرب وشمال أوروبا-، يعد ضربة موجعة للمشروع الأوروبي الواحد.
 
ويستحضر هؤلاء ما وصلت إليه يوغسلافيا السابقة وتشيكوسلوفاكيا وأوكرانيا وبلدان أوروبا الشرقية، وحتى الاتحاد السوفياتي السابق، رغم اختلاف الظروف الموضوعية.
 
ويرى رئيس الوزراء الفرنسي السابق مانويل فالس أن انفصال كتالونيا ينذر بتفكيك ما يعرف بالدولة الأمة التي نتجت عن معاهدة ويستفاليا عام 1648، مشيرا في حديث له لمجلة لوجورنال دي ديمانش الفرنسية أن تفكيك إسبانيا يعني تفكيك أوروبا، وستكون بلاد الباسك غدا، وبعدها منطقة الباسك الفرنسية، وبعدها شمال إيطاليا، على حد تعبيره.
 
وكان الركود الاقتصادي الذي عانت منه أوروبا منذ سنة 2008 وسياسات التقشف التي فرضها الاتحاد الأوروبي على الدول الأكثر تأثرا بـالأزمة المالية -وبينها إسبانيا- سببا للهواجس في الكثير من المناطق في أوروبا، وهو ما منح الأحزاب اليمينية وبعض الحركات الانفصالية دفعة أقوى للعمل وتحقيق اختراقات انتخابية مهمة.
 
 التيارات اليمينية في أوروبا وخصوصا هولندا أحدثت اختراقا في البرلمانات المحلية والبرلمان الأوروبي (رويترز)
الهوية والثروة
وفي الوقت الراهن، تشهد المجتمعات الأوروبية صعودا للمشاعر القومية والانعزالية، والدعوات إلى الخروج من المنظومة الأوروبية، وزيادة حضور اليمين المتطرف في البرلمانات المحلية والبرلمان الأوروبي (هولندا، فرنسا، ألمانيا، التشيك، النمسا، إيطاليا...)، ورغم الاختلاف أحيانا عن الحالة الكتالونية فإن النظرة الشوفينية القومية حاضرة في معظم طروحات هذه الأحزاب، وهي تعبر في النهاية عن نزعة التفكيك وليس الوحدة.
 
فمشكلة الكيانات التي نشأت ضمن ترتيبات الحرب العالمية الأولى أو الثانية والاقتطاعات التي حصلت في جغرافيا البلدان، إضافة إلى استدعاء عنصر الهوية واللغة، وتداعي منظومة "دولة الرفاه" التي بنيت بعد الحرب العالمية الثانية (في أوروبا الغربية) بدأت تتفاعل في دول أوروبا، وخصوصا إسبانيا التي تتنازعها أزمتا كتالونيا وإقليم الباسك المعزز بحركة "إيتا" الانفصالية.
 
وعلى ما يبدو، لم تفلح الأسس الديمقراطية في الدول الأوروبية، وقيم الحرية والتداول على السلطة والمواطنة والمساواة واعتبار الفرد قيمة أساسية في كبح نداء الهويات القومية والخصوصيات الثقافية وتجاوز خصومات التاريخ والجغرافيا و"الأنانية الاقتصادية"، كما يصفها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
 
وتبدو المشاعر القومية التي تتكئ عليها الحركات الانفصالية مجرد غطاء لمشاكل أكبر وأعمق في جسد الدول الأوروبية، بينها اختلال توزيع الثروة بين الأقاليم واستغلال المركز للأطراف الثرية، خصوصا أن معظم النزعات الاستقلالية تأتي من مناطق ثرية بمواردها ومزدهرة اقتصاديا (نموذج كتالونيا ولومبارديا في إيطاليا).
 
ولعل تصويت إقليمي لومبارديا وفينيتو في شمال إيطاليا مؤخرا بأغلبية ساحقة لصالح مزيد من الحكم الذاتي، في استفتاءين (غير ملزمين لـروما)، يشي بتوسع النزعات الاستقلالية في أوروبا، والمبنية على أساس عنصري الهوية والثروة.
 
ويخضع الإقليمان لإدارة حزب "رابطة الشمال" الذي يتبنى دعوات انفصالية وإنشاء دولة مستقلة تحت اسم "بادانيا" في الشمال والوسط الغنيين، وقد نظم استفتاء غير رسمي في فينيتو عام 2014 للانفصال عن إيطاليا صوت فيه نحو 88% من الناخبين.، كما تبرز دعوات انفصالية في جزيرتي صقلية جنوبي البلاد، وسردينيا (غرب) رغم تمتعهما بالحكم الذاتي.
 
 تأييد البريطانيين لخروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي مثل صدمة كبيرة داخل البيت الأوروبي (رويترز)
بذور الأزمات
وإضافة إلى مشكلة إقليم الباسك المزمنة في إسبانيا، وكذلك أسكتلندا وإيرلندا الشمالية، تبرز النزعات الاستقلالية المختلفة الأوجه والمبنية على اللغة كحامل للهوية، والثروة -ولو بوتيرة أخف- في إقليم بافاريا الأغنى في ألمانيا، حيث أشار معهد "يوجوف"، وهو أحد مراكز دراسات الرأي العام في ألمانيا إلى أن نحو 22٪ من سكان الإقليم -الذي يوفر 34% من الناتج المحلي للبلاد- يؤيدون الانفصال عن ألمانيا.
 
وفي بلجيكا -التي كانت حتى 1830 جزءا من هولندا- تتنازع البلد قوميتان رئيسيتان، هما "الفلامنديون" الناطقون باللغة الهولندية (58% من تعداد سكان البلاد) والوالونيون الناطقون بالفرنسية (32%)، فضلا عن قومية ثالثة ناطقة بالألمانية. ويطالب حزب "المصلحة الفلاندرية" بانفصال الإقليم الثري وإقامة دولة فلاندرية مستقلة.
 
أما جزر فارو، التي تقع شمالي المحيط الأطلسي وتتبع للدانمارك ورغم تمتعها بحكم ذاتي، فتسعى بدورها لتنظيم استفتاء لإقرار دستور جديد العام المقبل، يمنحها حق الانفصال، كما تطالب حركات قومية في جزيرة كورسيكا الفرنسية في البحر المتوسط بالاستقلال، وخاضت في العقود الأخيرة عمليات مسلحة ضد السلطات الفرنسية.
 
وفي رومانيا يطالب نحو 1.4 مليون شخص من أصول مجرية في منطقة سيكولي (وسط) بالانفصال وتكوين دولة مستقلة، وكذلك في أوكرانيا حيث يطالب إقليما دونيتسك ولوغانسك شرقي البلاد بالاستقلال وسط حرب دامية، كما يطالب صرب البوسنة بحقهم في الاستقلال عن البوسنة وإنشاء دولتهم.
 
وتظهر هذه المعطيات أن الجسد الأوروبي ليس معافى تماما من حمى القوميات ونزاع الهويات، وليس محصنا من عدوى الانفصال وارتدادات الأزمة الكتالونية، وفي غياب العامل الخارجي المحرض -على خلاف أزمات الشرق الأوسط مثلا- واستبعاد الطابع العنفي في حل المسألة، تبقى طبيعة المعالجة كامنة في أسس البناء الأوروبي ذاته وتقاليده الديمقراطية ومرونة قوانينه وديناميكية نزعات الاستقلال ذاتها.
المصدر : الجزيرة