لماذا أصبحت القاهرة أخطر مدن العالم على النساء؟

التحرش بالنساء بات مشهدا مألوفا في الشوارع والأماكن العامة بالقاهرة (رويترز)
التحرش بالنساء بات مشهدا مألوفا في الشوارع والأماكن العامة بالقاهرة (رويترز)

عبد الرحمن محمد-القاهرة

تقف ليلى أمام خزانة ملابسها تبحث عن أكثرها احتشاما علها تحتمي به من كلمة تنتهك عرضها أو يد تعبث بجسدها في شوارع القاهرة. تعلم أن هذا ربما لن يجدي كثيرا وأنها ستتعرض لما تواجهه أغلب النساء من تحرش لفظي أو جسدي، لكنها تحاول بطريقة ما أن تتلافى ذلك.

القاهرة هي الأخطر على النساء من بين المدن الكبيرة على مستوى العالم -وفق دراسة نُشِرت مؤخرا- ولكن هذه المعلومة لا تضيف الكثير لليلى ذات الثلاثين ربيعا ولا لمعظم بنات جنسها القاطنات في هذه المدينة فهي واقع بالنسبة لهن، لا يحتاج لدراسات رصد، ولكنها ربما "تجعلهن أكثر خوفا".

تقول ليلى إن كل نساء العاصمة المحتشمة منهن والسافرة والكبيرة في السن وحتى القاصرة، يطولهن التحرش الجنسي وسوء المعاملة، خاصة في المواصلات العامة والأماكن المزدحمة كدور العرض ومراكز التسوق.

وتروي أنها تتعرض للتحرش أثناء العمل من مديرها وزملائها، ولولا الحاجة لتجنبت هذه المضايقات وجلست في بيتها.

المصريات صرخن مرارا ضد التحرش ولكن الظاهرة اتسعت (رويترز)

وقد احتلّت القاهرة المرتبة الأولى من حيث الخطورة على النساء عام 2017، وفق دراسة أعدتها مؤسسة "تومسون رويترز" تتناول أوضاع المرأة في المدن التي يزيد عدد سكانها على عشرة ملايين نسمة.

نطاق الدراسة
تناولت الدراسة 19 مدينة ضخمة، وتركزت محاورها على "العنف الجنسي، الممارسات الثقافية الضارة، الرعاية الصحية، التمويل، التعليم".

وقامت "تومسون رويترز" بإجراء الدراسة بين الأول من يونيو/حزيران و28 يوليو/تموز الماضيين، واستندت في نتائجها إلى آراء 380 خبيرا في قضايا المرأة من أكاديميين وعاملين صحيين ومنظمات غير حكومية وصناع سياسات ومتخصصين في التنمية والخدمة الاجتماعية.

ويقول الطبيب النفسي والمستشار الاجتماعي عمرو أبو خليل إن حال المرأة في باقي المدن المصرية أسوأ منه في القاهرة التي تناولتها الدراسة.

ولفت أبو خليل إلى أن ما تتعرض له النساء في قطاعيْ التعليم والصحة هو أكثر ما يتطلب الاهتمام، كونه يشمل أكثرهن ويؤثر على حياة المجتمع عامة.

السلوكيات الأخلاقية والأوضاع المعيشية سببت صدمات نفسية لنساء مصر (الجزيرة)

ولفت لـ الجزيرة نت إلى أن ما تتعرض له المرأة المصرية من تجاوزات وانتهاكات -كالعنف الجنسي والممارسات الثقافية السلبية وافتقاد الحقوق الاقتصادية- هو في حقيقة الأمر انعكاس للانهيار التعليمي والقيمي الذي يسود المجتمع، مشددا على ضرورة التناول الشامل للقضية بكل أبعادها.

ورأى المستشار الاجتماعي أنه لابد لمواجهة هذا التدهور (الخلقي) من الاهتمام برفع ثقافة وتعليم المجتمع عامة وتوعيته بأن قيمتيْ الحرية والعدالة الاجتماعية تحميان الجميع وليس المرأة فقط.

بدوره، يرى أستاذ الطب النفسي والخبير الاجتماعي أحمد عبد الله أن "نمط الحياة" الذي يعيشه المصريون عامة والنساء خاصة مدمر على مختلف المستويات، ويساعد في ذلك عدم الاهتمام بمعالجة ذلك أو محاولة إيقاف مسلسل التدهور الحاصل.

الدولة المنسحبة
وأشار عبد الله -في حديث للجزيرة نت- إلى أن الدولة "منسحبة" ولا تقوم بأي دور إيجابي في هذا السياق، كما أن المجتمع في نفس الوقت لا يقوم بدوره في الحفاظ على أفراده وفئاته الأكثر هشاشة وتضررا كالنساء والأطفال وكبار السن، وهو ما يفاقم من الضغوط النفسية والاجتماعية.
محطة القطار بالقاهرة ساحة للتحرش ومضايقة النساء (رويترز)

ولفت إلى أن المدن الكبيرة من المعتاد أن يتوفر فيها عنصران أساسيان: حياة أفضل لقاطنيها، ونمط معيشة يسهل معه سيطرة السلطة على أهلها.

لكن القاهرة تفتقد بشكل كامل للعنصر الأول مع حرص السلطات على تعزيز الثاني الذي يساعد على تغييب أي مزايا للحياة فيها، على حد قوله.

أما الباحثة الاجتماعية صفاء صلاح الدين، فترى أن القاهرة كانت تتميز في السابق برونق خاص يشكل عنصر جذب للحياة فيها، إلا أنها فقدته في السنوات الأخيرة، بعد أن زاد صخبها وارتفع عدد سكانها وانتشرت فيها مظاهر الحضارة الزائفة كالمولات التجارية وغيرها على حساب الأماكن المفتوحة والمزارات الطبيعية.

وذهبت في حديث للجزيرة نت إلى أن ذلك من أبرز العوامل التي جعلت منها أخطر المدن على النساء، واللائي "فرض عليهن الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي تمر به مصر أدوارا صعبة عرّضتهن لممارسات تفتقد لأدنى المعايير الآدمية والأخلاقية، تحت مظلة نظام ومجتمع مصابين بالكثير من الأمراض".

المصدر : الجزيرة