آثار الموصل.. أثر بعد عين

الموصل القديمة تحولت إلى كومة من الركام (مواقع التواصل الاجتماعي)
الموصل القديمة تحولت إلى كومة من الركام (مواقع التواصل الاجتماعي)

الجزيرة نت-الموصل

"إنها ليست الموصل التي أعرفها، إنها خرابة كبيرة" يقول أبو معن الذي عاد إلى المدينة بعد غياب أربع سنوات، ليفاجأ بحجم الدمار والخراب في منطقته "باب البيض" بالموصل القديمة، يردد وهو يضرب كفا بكف "لقد انتهت المدينة ولن تعود".

وحتى منذ سنوات قليلة مضت، كان العراقيون يقصدون الموصل لرؤية آثارها والتمتع بجمال طبيعتها، لكن من يزورها بعد الحرب الأخيرة لا يكاد يصدق أنها المدينة التي يعرفها من قبل، فقد تغيرت ملامحها وغابت عنها معالمها الشهيرة، وتحولت إلى أكوام من الحجارة.

وتعد الموصل واحدة من أغنى مدن العراق بالمعالم والمواقع التاريخية، إلا أن تنظيم الدولة الإسلامية قام بتجريف مناطق أثرية كاملة، وساهمت عملية استعادة محافظة نينوى (شمالي العراق) من قبل الحكومة العراقية في تدمير ما تبقى منها.

ويرى النائب عن نينوى عبد الرحمن اللويزي أن وضع العراق الاقتصادي الحالي لا يساعد على إعادة بناء وترميم هذه الآثار في المدى المنظور على الأقل، لكن يمكن الاستفادة من الدعم الذي تقدمه بعض الدول المانحة والمنظمات، شرط ألا يسرق ويذهب إلى جيوب "الفاسدين".

ويضيف اللويزي للجزيرة نت أن من مسؤولية الحكومة العراقية أن تتابع ملف الآثار المهربة خارج البلاد، وقد حدث بالفعل أن تم القبض على بعض المتاجرين بقطع أثرية نهبت من المحافظة، في الولايات المتحدة ولبنان واليابان، بالتعاون مع سلطات تلك الدول، على حد قوله.

جانب من الدمار الذي تعرض له جامع النبي يونس في الموصل (الجزيرة)

محاولات للإعمار
وفي الموصل القديمة أزقة وحارات ضيقة يسميها أهلها بـ"العوجات"، وتعكس نمطا معماريا فريدا تختص به، يجمع بين طرز بناء وافدة مع خصائص محلية، ويتجلى ذلك أيضا في المساجد والبيوت القديمة، لكن كل ذلك أصبح اليوم أثرا بعد عين، بعد أن هدمت كل منازلها ومساجدها وكنائسها وأسواقها.

ووفقا لأستاذ الآثار في جامعة الموصل والخبير العلمي بمنظمة اليونسكو أحمد قاسم الجمعة، فقد جرى تدمير 20 موقعا أثريا في محافظة نينوى خلال السنوات الثلاث الماضية، بينها 12 أثرا إسلاميا مثل جامع النبي يونس والجامع النوري وقبر المؤرخ ابن الأثير، بالإضافة إلى آثار تعود إلى حقب ما قبل الإسلام، مثل مدينة النمرود الأثرية، وسور وبوابة نينوى الآشورية في جانب الموصل الأيسر، ومدينة الحضر التاريخية.

ويضيف الجمعة أنه وزملاء له من الأكاديميين يحاولون عبر التواصل مع الجهات الرسمية والمنظمات الدولية جلب الدعم والمساندة لإعادة بناء هذه المعالم الأثرية، مشيرا إلى أن اليونسكو أعلنت أنها ستسهم في إعادة بناء الجامع النوري والمنارة الحدباء، لكنها لم تشرع في العمل حتى الآن.

ويحتفظ الأستاذ الجامعي بمخططات لجميع المباني المدمرة، بما في ذلك طرق البناء التقليدية والارتفاع والنقوش وطبيعة المواد المستخدمة في البناء، مما سيساعد على إعادتها مرة أخرى إذا توفرت الإرادة لذلك، كما يقول.

إحدى الكنائس التي تضررت بفعل القصف الجوي شرقي الموصل (الجزيرة)

مزايدات سياسية
أما متحف المدينة الذي كان يضم آثارا تعود لحقب مختلفة فقد أصبح مهجورا اليوم، بعدما تم تحطيم معظم الآثار التي بداخله على يد تنظيم الدولة، بدعوى أنها "تماثيل وثنية"، وبعضها تم تهريبها خارج العراق وبيعت بأثمان باهظة.

وبحسب ديوان الوقف السني، فإن تنظيم الدولة دمر 37 جامعا في المدينة، بحجة كونها أضرحة وتحوي قبورا "شركية"، من بينها مساجد تاريخية تعود لعصور إسلامية متقدمة، كجامع النبي يونس الذي يعود إلى القرن السابع الهجري، وجامع وضريح الشيخ فتحي، وجامع ومرقد الشيخ قضيب البان وغيرها.

في حين أتى القصف الجوي والمدفعي على ما تبقى من مساجد، حتى وصل عدد الجوامع التي هدمت أو تضررت إلى نحو 110.

ويرى الناشط علي الدليمي أن كثيرا من الجهات السياسية تعلن باستمرار أنها ستتبنى ترميم وبناء ما تهدم من آثار المدينة، لكنها ليست أكثر من "مزايدات".

ويضيف أن الأموال التي تنفقها هذه الجهات على دعاياتها لكسب أهالي المدينة تكفي لبناء المدينة وآثارها كلها، لكن لا أحد من هؤلاء جاد أو معني بعودة المدينة كما كانت، بحسب تعبيره.

المصدر : الجزيرة