مجمع الحديث.. ورقة اعتماد سعودية جديدة للغرب

مركز اعتدال كان بداية التحولات في مراجعة السعودية لمناهجها ونصوص الفكر الوهابي الذي قامت عليه (الأوروبية)
مركز اعتدال كان بداية التحولات في مراجعة السعودية لمناهجها ونصوص الفكر الوهابي الذي قامت عليه (الأوروبية)
بعيدا عن حفلة الترحيب والتمجيد التي قادها علماء ومشايخ ووسائل إعلام في المملكة العربية السعودية لقرار الملك سلمان بن عبد العزيز إنشاء مجمع للحديث النبوي الشريف، يرى مراقبون أن المملكة تقدم ورقة اعتماد جديدة للغرب، تؤكد فيها أن مراجعاتها ستطال الجذور التي تأسست عليها.
وحفلت وسائل الإعلام السعودية والمحسوبة عليها منذ مساء الثلاثاء الماضي بعبارات الشكر والثناء للملك الذي حمل المجمع اسمه، واعتباره "انتصارا للسنة".

واعتبر رئيس هيئة كبار العلماء عبد العزيز آل الشيخ أن المجمع سيطبع ما لم يطبع، ويحقق ما لم يتم تحقيقه، ويرد على "المغرضين" داعيا علماء السنة للتعاون معه لأداء رسالته.
وكتبت وسائل إعلام سعودية ومشاهير الدعاة والمغردين مثمنين خطوة الملك التي وصفوها بأنها تاريخية، وذهب بعض المرحبين لاعتبارها بمثابة رد على المشككين بالسعودية ودورها في "حفظ الدين" وأنها تؤكد ريادتها في العالم الإسلامي وأنها لم تتحول.

واستغل بعض هؤلاء القرار لاعتبار الخطوة بمثابة رد على "الليبراليين" الذي قالوا إنهم هللوا لتحول المملكة.
خطاب للخارج
وبعيدا عن الخطاب الموجه للداخل، فقد اختارت السعودية كعادتها توجيه المغزى الحقيقي من إنشاء هذا المجمع للإعلام الغربي الذي اعتبر أن هذا القرار بمثابة خطوة جديدة في طريق السعودية نحو مكافحة التطرف والإرهاب في خطابها الديني.
فقد روجت وزارة الثقافة والإعلام للمجمع باعتبار أنه سيراقب تفسير الحديث النبوي "حتى لا يستخدم في تبرير العنف أو الإرهاب".
وأوضحت الوزارة أن هدف الهيئة هو "القضاء على النصوص الكاذبة والمتطرفة وأي نصوص 
تتعارض مع تعاليم الإسلام وتبرر ارتكاب الجرائم والقتل وأعمال الإرهاب".
وقالت أيضا إن الهيئة الجديدة "ستخدم الإسلام بإقامة مرجعية أصيلة للحديث النبوي الشريف وعلومه جمعا وتصنيفا وتحقيقا ودراسة" دون أن تذكر أي شكل من أشكال المرجعية ستتبعها الهيئة الجديدة.
مرجعية جديدة
تقول وكالة رويترز -في سياق الخبر الذي أوردته عن إنشاء الهيئة- إن الحكومة تدعم رؤية جديدة بشأن الهوية السعودية، تبقي على الوهابية كمحور ارتكاز، لكنها تسمح بوجود أفكار علمانية مثل القومية والتراث الثقافي التي تسبق ظهور الإسلام.
كما تناولت وسائل إعلام غربية خبر الإعلان عن المجمع بأنه يندرج في سياق المراجعات السعودية المستمرة لخطابها الديني والثقافي.
وقد كتبت محررة الشؤون الدينية بصحيفة غارديان البريطانية هارييت شيروود أن إنشاء المركز جاء "تعبيرا عن شعور السلطات السعودية بالقلق من التطرف داخليا وخارجيا، والذي كان وراء توتر علاقاتها مع الغرب في مرحلة ما بعد الـ 11 من سبتمبر/أيلول"2001.

والحديث عن المراجعة والمرجعية تكرر بالسعودية مؤخرا لاسيما تصريحات مسؤوليها لوسائل الإعلام الغربية، أو ما نقله مسؤولون غربيون عنهم، وهو ما يؤشر لوجود عملية تغيير جذرية في الأسس التي قامت عليها الدولة بشراكة بين حكم عائلة آل سعود والمنهج الوهابي الذي اعتمد ما يسمى تفسير "السلفية العلمية" للدين الإسلامي.
وما يؤكد أن مجمع الحديث يندرج في سياق خطوة سعودية شاملة، أنه جاء بعد أن صرح وزير الخارجية عادل الجبير إن المملكة فصلت الآلاف من علماء الدين المتطرفين الذين كانوا يعملون في مساجدها.
كما جاء بعد أسابيع قليلة من تراجع المملكة عن قرار منع النساء من قيادة السيارات، والذي ظل لعقود يروج له من قبل كبار المسؤولين بالدولة وكبار علمائها باعتباره من صميم الدين ومن أجل الحفاظ على المرأة.
ولعل الخطوة الأهم في هذا السياق تمثلت بتقليص دور هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك من خلال نزع صفة الضابطة العدلية عنها، وإخضاعها لشروط هيئات حكومية أخرى، من أهمها هيئة المواصفات والمقاييس.
مركز اعتدال
ومجمل هذه التطورات جاءت بعد قرار السعودية في مايو/أيار الماضي إنشاء مركز "اعتدال" لمكافحة الفكر المتطرف، والذي افتتح على هامش القمة الإسلامية الأميركية في الرياض.
وبينما جرى الترويج للمركز وقتها باعتباره أنشئ لمكافحة الأفكار المتطرفة وجماعاته في العالم الإسلامي، كشف وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون عن دور آخر للمركز يتعلق بمراجعات الخطاب الديني والمناهج في المملكة.
وقال تيلرسون -أمام إحدى لجان الكونغرس في يونيو/حزيران الماضي- إن الرئيس دونالد ترمب اتفق مع السعودية على تغيير مناهجها لمحاربة ما وصفه بالفكر الوهابي.
وقال عن اعتدال "المركز له عدد من العناصر لمهاجمة التطرف حول العالم، وأحد العناصر التي تفقدناها معهم وقد أخذوا خطوات بشأنها -أعني السعوديين- هي أن ينشروا كتبا دراسية جديدة تدرس في المدارس الموجودة في المساجد حول العالم، هذه الكتب ستحل محل الكتب الدراسية الموجودة اليوم هناك، التي تبرر للفكر الوهابي المتطرف الذي يبرر العنف، وقد طالبناهم ليس فقط بنشر الكتب المدرسية الجديدة، لكن بسحب الكتب القديمة حتى نستعيدها، هذا مثال واحد فقط".
ويرى سياسيون ومحللون خطوات التحولات السعودية -التي بدأت منذ أشهر ولا يعرف إلى أي مدى ستصل- أنها تأتي في إطار ترتيبات تسبق تنازل الملك عن الحكم لنجله الأمير محمد بن سلمان.
المصدر : وكالات,الصحافة البريطانية,الجزيرة