هل أصبحت طريق طهران-بيروت سالكة؟

أطفال لبنانيون يرفعون صور المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي والأمين العام لحزب الله حسن نصر الله (غيتي)
أطفال لبنانيون يرفعون صور المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي والأمين العام لحزب الله حسن نصر الله (غيتي)

محمد النجار

تثير التطورات المتسارعة على الأرض والتغيرات الجيوسياسية في كل من العراق وسوريا؛ أسئلة هامة عن الطريق الإستراتيجي الذي تسعى إيران لجعله سالكا ليصل عاصمتها طهران بالعاصمة اللبنانية بيروت.

وعلى وقع الانهيار المتوالي لتنظيم الدولة الإسلامية وانحساره بشكل كبير في العراق، وتواصل خسائره بسوريا التي خسر فيها مؤخرا "عاصمة خلافته" في الرقة، جاء الانحسار الكبير لسيطرة قوات البشمركة الكردية في اليومين الماضيين بدءا بكركوك وانتهاء بمنفذ ربيعة الإستراتيجي الذي يصل العراق بسوريا، وبات اليوم تحت سيطرة ميلشيات الحشد الشعبي.

وعلى مدى أعوام الحرب السورية، تمكنت إيران من تعزيز نفوذها في مناطق إستراتيجية بسوريا، كما تمكن حليفها اللبناني حزب الله من توسيع نفوذه ليتخطى الحدود اللبنانية ويصل إلى سوريا، بينما تمكنت طهران من بناء قوات الحشد الشعبي التي يقودها حلفاؤها في العراق، وهو ما فتح الباب واسعا أمام التساؤل عن الطريق الذي يحقق "الهلال الشيعي" الذي أطلق الملك الأردني عبد الله الثاني مصطلحه قبل عقد ونصف تقريبا، ليبدو اليوم كأنه واقع قريب على الأرض.

ولا يخفى على أي مراقب دلالات ظهور مهندس طريق طهران-بيروت قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني قبل أشهر على الحدود السورية العراقية، ثم تواجده قبل أيام قليلة في السليمانية على الحدود العراقية الإيرانية لإحباط مشروع الدولة الكردية، وما بينهما من الموصل إلى حلب فدمشق، يؤكد أن المشروع الإيراني ماض وإن كانت شروط نجاحه لم تتحقق بعد.

عقبات هامة
لكن هذا الطريق لا يزال يصطدم بعقبات هامة تتوقف على مواقف الأطراف الفاعلة لاسيما في المشهد السوري، وخاصة روسيا حليفة إيران في الحرب هناك، إضافة إلى الموقف الإسرائيلي، وبينهما الموقف الأميركي الذي يسعى لمنع تحقيق تواصل بين حلفاء طهران على جانبي الحدود السورية العراقية.

إسرائيليا، لا تتوقف تل أبيب عن تسديد الضربات الانتقائية لأهداف النظام السوري وحزب الله في سوريا، لكن إيران التي اعتبرت قيام دولة كردية في شمال العراق بمثابة وصول إسرائيل إلى حدودها، تعمل كل يوم على توسيع وجود حلفائها ليتوسع من نفوذ حزب الله في جنوب لبنان، ليصل إلى الجبهة الجنوبية السورية مع الجولان المحتل، في تغير لمعطيات خريطة التجاذبات وربما المواجهات مستقبلا.

وبحسب الباحثة في مركز الجزيرة للدراسات والخبيرة في الشؤون الإيرانية الدكتورة فاطمة الصمادي، فإن إيران حرصت على التواجد في مناطق ذات أبعاد إستراتيجية خلال سنوات الحرب السورية، خاصة في دمشق وحزامها، والساحل السوري، والحدود العراقية السورية.

وبحسب الصمادي التي تحدثت للجزيرة نت فإن الوجود الإيراني في مناطق الجبهة الجنوبية مع الجولان المحتل هام جدا بالنسبة لها، وذلك بهدف تسخين هذه الجبهة إذا دعت الحاجة إلى ذلك في أي مواجهة غير مستبعدة بين إيران وإسرائيل أو الولايات المتحدة.

الحل في سوريا
غير أن خبيرة الشؤون الإيرانية ترى صعوبة اعتبار طريق طهران-بيروت سالكا، طالما أن الحل السياسي في سوريا لم ينجز.

وتقول إن التحالف الذي ظهر في الميدان بين موسكو وطهران سيتحول إلى خلاف وربما صدام على طاولة الحل السياسي، لا سيما في ظل التفاهمات الروسية الأميركية، ورفض إيران التضحية بمصالحها الأساسية في سوريا، وهو ما سيجعل استقرار الأمور لها أمرا مؤجلا.

وتشير إلى أن إيران أنشأت مليشيات في سوريا باتت تمثل واقعا على الأرض؛ يمكنها تعطيل أي حل سياسي لا يحقق مصالحها التي قدمت من أجلها تضحيات كبيرة في السنوات الست الماضية.

وتخلص فاطمة الصمادي إلى أن احتمال اندلاع حرب إيرانية إسرائيلية غير مستبعد، لكن إستراتيجية طهران تقوم دائما على خوض الحرب بعيدا عن أرضها بعد تجربة حرب السنوات الثماني المؤلمة لها مع العراق، وهو ما فعلته في أفغانستان ثم في العراق واليوم في سوريا، وأن أي مواجهة مع إسرائيل قد تكون في سوريا ولبنان مستقبلا، مع عدم استبعاد وصولها إلى أراضيها في ظل التغيرات في تحالفات إسرائيل التي وصلت إلى دول عربية خليجية مؤثرة ترى تناقضها مع إيران لا مع إسرائيل حاليا.

الرابح الأكبر
وبالرغم من أن المعطيات على الأرض تمنح إيران دور الرابح الأكبر من كل ما جرى في العراق ثم سوريا، فإن استمرار الحرب في سوريا، وسعي الولايات المتحدة لإحباط مكاسب طهران على الأرض هناك، وتداخل المصالح الروسية والإسرائيلية، كل ذلك سيعقد من مهمة تدشين الطريق الإستراتيجي.

لكن المكاسب الآنية لإيران هي أنها تمكنت من استنساخ تجربة حزب الله اللبناني على شكل مليشيات فاعلة في العراق والآن في سوريا، خاصة أن الكلفة الإستراتيجية لإنشاء ودعم مليشيات أقل بكثير من كلفة التدخل المباشر الذي تخلت عنه طهران في سوريا بعد العراق.

المصدر : الجزيرة