"داعش البحر".. آفة تفاقم ظاهرة "الحرقة" بتونس

البحار محمد ممسكا بعقارب البحر التي يطلق عليها "داعش البحر" لفتكها بالأسماك (الجزيرة)
البحار محمد ممسكا بعقارب البحر التي يطلق عليها "داعش البحر" لفتكها بالأسماك (الجزيرة)

خميس بن بريك-قرقنة (تونس)

في ميناء صغير للصيادين بمنطقة "العطايا" النائية في أرخبيل قرقنة جنوب شرقي تونس، يرسو قارب عبد الله المتهالك بعد ليلة طويلة وشاقة قضاها في أعماق البحر بحثا عن صيد يوفر له قوت يومه، لكن شباكه لم تظفر بغير عقارب مفترسة يطلق عليها البحارة "داعش البحر" بسبب فتكها بثروة سمكية تعد مورد رزقهم الوحيد هناك.

كغيره من البحارة، يشعر "الرَيّس" (تعبير محلي يطلق على قائد مركب الصيد) عبد الله بالغبن بسبب هذه العقارب الزرقاء الكبيرة التي باتت تفترس بمخالبها الطويلة والحادة كل ما يعترضها من أخطبوطات وأسماك.

ويشكل ميناء "العطايا" نموذجا بارزا للمأزق الذي يعيشه بحارة قرقنة، ذلك الأرخبيل الهادئ الذي تحول من أكثر المناطق شهرة بصيد الأخطبوط إلى أكبر بؤرة لسماسرة "الهجرة غير النظامية" بحكم قربها من جزيرة "لامبيدوزا" الإيطالية في عرض البحر الأبيض المتوسط.
الصياد عبد الله لم يجن من صيده سوى أخطبوطين صغيرين (الجزيرة)
مشهد بائس
ورغم كثرة الزوارق الراسية بأرصفته، يبدو ميناء "العطايا" مهجورا خاليا من البحارة. ويزداد المشهد بؤسا مع قدوم زوارق محملة بأكوام من تلك العقارب الزرقاء الطائرة وأكداس من الشِباك الممزقة بمخالبها القاطعة.

بيديه السميكتين يفرغ عبد الله من الشباك في زورقه الأزرق أخطبوطين صغيرين. ورغم محاولته طمس ما يعتريه من مشاعر خيبة، فإن نظرات عينيه تفضحه. يقول بلسان مثقل بالإحباط والمرارة "لا يوجد بحار واحد هنا لم يتضرر من تلك العقارب المسعورة التي نسميها داعش البحر".

غير بعيد عنه، يتقاسم رفاق عبد الله المأساة ذاتها، وكان بعضهم يجر أكياسا بلاستيكية مملوءة بتلك العقارب الزرقاء التي علقت بشباكهم ليضعوها وراء شاحنة صغيرة لبيعها بأسعار "متدنية" لأحد المصانع.

ورغم رباطة جأشه المنعكسة على تجاعيد وجهه وخبرته التي تفوق ثلاثة عقود، لم يخف "الريس" ذعره من رؤية أسراب من العقارب الزرقاء تطير ليلا فوق سطح البحر بأجنحتها الخلفية محدثة صوتا حادا صادرا عن طقطقة مخالبها الأمامية الحادة كالمنشار، ساعية وراء فريستها.

عبد الله قال إن العقارب الزرقاء تطير ليلا فوق سطح البحر بأجنحتها الخلفية (الجزيرة)

أضرار جسيمة
وبعد إفراغ جحافل من تلك العقارب الميتة من زورق "الرَيْس" عبد الله، يتفقد رفيق دربه البحار محمد بعينين متعبتين شِباك الصيد أو "الغزل"، بحثا عن الثقوب الواسعة التي أحدثتها العقارب العالقة فيها قصد ترقيعها.

يلقي محمد نظرة كئيبة على شِباك الصيادين الممزقة والمطوية بإهمال على طول أرصفة الميناء المنكوب، ويقول بحرقة "هذه الآفة غزتنا منذ عام وقطعت أرزاقنا من الأسماك والأخطبوطات، وكبدتنا خسائر لا تطاق".

عقارب البحر المفترسة أضرت بالثروة السمكية في قرقنة (الجزيرة)

وليست شِباك الصيادين أسوأ حالا من المسالك المبنية بسعف النخيل على حافة شواطئ قرقنة، وتسمى محليا "الشرافي"، وهي طريقة تقليدية لدفع الأسماك نحو بيوت صغيرة لتنحبس بداخلها.

عن تلك المسالك يقول البحار محمد إن "أطنانا من تلك العقارب القادمة من الخارج عبر بواخر نقل السلع أصبحت تفرخ بيضها داخل تلك المسالك، بينما تفترس العقارب القوية الأسماك والأخطبوطات العالقة".

مخالب حادة للعقارب التي يطلق عليها صيادو قرقنة "داعش البحر" (الجزيرة)

هجرة سرية
وإزاء هذا الوضع الكارثي، يضيف محمد للجزيرة نت أن عددا من الصيادين بجزيرة قرقنة لجؤوا إلى بيع مراكب صيدهم لسماسرة "الهجرة السرية" أو التعامل معهم، الأمر الذي جعل الجزيرة تتبوأ مركزا متقدما في عدد "قوارب الموت" نحو إيطاليا.

يتحدث محمد عن الموضوع بصوت خافت، قائلا "في هذا الظرف الحالك عندما يقترح أحد سماسرة الحرقة (الهجرة السرية) مبلغا يضاعف خمس مرات قيمة مركب أحد الصيادين المحتاجين؛ لا أظن أن الأخير سيرفض".

وقبل نحو أسبوع غادر زورق صيد يقل عشرات المهاجرين ميناء "العطايا"، إلا أنه لم ينجح في اختراق المياه الإقليمية بعدما اصطدم به مركب لخفر السواحل التونسي، مما أدى إلى مقتل أكثر من أربعين شخصا.

جانب من شباك الصيادين الممزقة بسبب عقارب البحر في ميناء "العطايا" (الجزيرة)

وفي هذا السياق، يؤكد رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (منظمة حقوقية) مسعود الرمضاني أن شبكات تهجير الشباب بزوارق الصيد باتجاه سواحل إيطاليا متشعبة وتضم العديد من الأطراف، ضمنهم بحارة يواجهون مشاكل كبيرة في مهنتهم.

ويقول الرمضاني إن الكثير من الصيادين في تونس يعيشون حاليا أوضاعا مزرية نتيجة تضرر الثروة السمكية جراء التلوث وانتشار العقارب المفترسة بجزيرة قرقنة وخليج قابس (جنوب شرق)، مؤكدا أن "بعضهم انخرطوا في شبكة الهجرة السرية لجني المال". 

وبحسب المنظمة الدولية للهجرة فإن نحو 2700 شخص وصلوا إلى السواحل الإيطالية في غضون الأشهر الثلاثة الماضية. لكن الرمضاني يرجح أن يرتفع العدد إلى خمسة آلاف "لأن هناك مهاجرين وصلوا من دون أن يقع إيقافهم أو التفطن لهم".
المصدر : الجزيرة