كركوك.. "النار الملتهبة"بالديموغرافيا والنفط

تتكون التركيبة السكانية لكركوك بالأساس من العرب والأكراد والتركمان (الجزيرة)
تتكون التركيبة السكانية لكركوك بالأساس من العرب والأكراد والتركمان (الجزيرة)

  زهير حمداني

لا تشبه كركوك إلا تسميتها السومرية المفترضة "النار الملتهبة". فالمدينة الملغومة بنفطها ومكوناتها العرقية والحسابات السياسية والمطامع الإقليمية كانت دائما محل تجاذبات، وأحيانا معارك واشتباكات طالما هددت الكيان العراقي الهش.

وقامت وحدات من الجيش العراقي وأخرى تابعة لوزارة الداخلية وفصائل الحشد الشعبي، بالسيطرة على المدينة، وقبل ذلك على منشآت نفطية، وذلك بعد تصاعد التوتر بين البشمركة والقوات العراقية الأيام القليلة الماضية جنوبي المحافظة في مناطق التماس بين الجانبين.

وتقول الحكومة في بغداد أن كل ذلك يأتي في سياق تطبيق الدستور العراقي، من أجل بسط السلطة الاتحادية وحماية الثروة النفطية في كركوك.

وكانت قوات البشمركة قد سيطرت على كركوك (250 كلم شمال بغداد) في أعقاب انسحاب الجيش العراقي منها أمام اجتياح تنظيم الدولة شمال البلاد وغربها صيف 2014، وقبل ذلك احتل الأكراد عدة مناطق بالمحافظة بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003. 

وتأجج الصراع حول المنطقة -التي يسكنها الأكراد والعرب والتركمان- جراء الاستفتاء الذي أجرته سلطات كردستان العراق في سبتمبر/ أيلول، وشمل محافظة كركوك التي تدخل ضمن مناطق النزاع بمقتضى المادة 140 من الدستور.

وفي ظل غياب قوانين واضحة وضبابية المادة 140من الدستور والخلاف التاريخي على الهوية ببعدها القومي والعرقي، والصراع الإقليمي على الثروات الموجودة بالمحافظة، تعج كركوك بعوامل الانشطار والتفرقة التي جعلتها بؤرة صراع لا تنتهي منذ بدايات القرن الماضي.

الأكراد سيطروا على مدينة كركوك عام 2014 بعد خروج القوات العراقية منها (الجزيرة)

محنة الديموغرافيا
وتنطلق الأزمة في كركوك من خلال بيانات متضاربة حول التركيبة السكانية، ويُتهم الأكراد بإحداث تغيير ديموغرافي في المحافظة بهدف ضمها لإقليم كردستان العراق، حيث أكد أرشد الصالحي رئيس الجبهة التركمانية والنائب عن محافظة كركوك أن السلطات الكردية بالمحافظة تعمل على تغيير التركيبة السكانية.

ويشير الصالحي إلى أن تعداد سكان كركوك كان قبل 2003 يبلغ 850 ألفا، أما الآن (2017) فقد بلغ مليونا و650 ألف نسمة، مضيفا أن هذه الزيادة السكانية تعود إلى الزيادة في "المكون الكردي" وأن التجاوزات على الأراضي الخاصة والعامة أصبحت أكثر انتشارا، وفق ما يقول.

ويشير مسؤولون بالجبهة التركمانية إلى أن المدينة كانت تتضمن في الأصل غالبية تركمانية، وقد تعرضت لعمليات تعريب ممنهجة منذ 1958 وخصوصا في عهد الرئيس الراحل صدام حسين، كما تعرضت بعد عام 2003 إلى توافد سكاني كبير من قبل الأكراد الذين زاد عددهم بأكثر من ثلاثمئة ألف نسمة في ظرف عشر سنوات.

وتشكل مقولة الرئيس العراقي الراحل جلال الطالباني "كركوك قدس كردستان " الرسالة الأبلغ على تمسك أكراد العراق بالمدينة المتخمة بالنفط والثروات، ويعتبر الأكراد أن كل الإحصائيات التي أجريت منذ عشرينيات القرن الماضي تمنحهم الأغلبية في المدينة، وقد فشلوا في انتزاعها ضمن اتفاقية الحكم الذاتي الموقعة مع السلطات العراقية عام 1970 أو بعدها.

ويقول وزير الخارجية العراقي الراحل طارق عزيز بإحدى تصريحاته إنه "منذ السبعينيات كان موقفنا في القيادة واضحا، وهو أن كركوك لا تدخل ضمن منطقة الحكم الذاتي، لأنها لو دخلت ستكون مرحلة انفصال حيث تدخل لعبة النفط والمؤامرات الدولية في قضية الوحدة الوطنية".

القوات العراقية أعلنت أنها سيطرت على مواقع في كركوك (الجزيرة)

نفط وتشابكات
وضمن عمليتها العسكرية في كركوك، سيطرت القوات العراقية على مصفاة كركوك النفطية الرئيسية -التي تبلغ طاقتها الإنتاجية ثلاثين ألف برميل يوميا- إضافة إلى محطة الكهرباء التي تغذي كل المنشآت النفطية بالمحافظة، مما يؤشر لطبيعة الصراع على هذه المنطقة والذي بدأ منذ 1927 وهو تاريخ تدفق النفط فيها.

ويأتي التسابق على كركوك باعتبارها إحدى أغنى محافظات العراق بالنفط والغاز، وتوجد فيها ستة حقول نفطية، وتختلف التقديرات حول المخزون النفطي، حيث تقدره بعض المصادر بنحو 13 مليار برميل، ويُصدر النفط عن طريق أنبوب نفط الشمال إلى ميناء جيهان التركي، وقد حصلت خلافات كثيرة بين بغداد وأربيل حول ذلك.

وتعتبر المحافظة مكسبا سياسيا واقتصاديا وإستراتيجيا لكل من حكومة بغداد وإقليم كردستان العراق الذي سعى حثيثًا لضمها إليه لتجنب أي ضائقة اقتصادية بعد الانفصال عن المركز، كما تدخل في حسابات أطراف أخرى.

وتعطي تركيا أهمية كبيرة للمدينة، وتضعها ضمن حزامها الإستراتيجي، وقال الناطق باسم الرئاسة إبراهيم قالن في تصريح له في أغسطس/آب الماضي إن المدينة "فيها الأكراد وفيها العرب أيضا، إلا أن الهوية الأساسية لكركوك أنها مدينة تركمانية".

وجاء الغضب التركي على استفتاء الإقليم ليمنح بغداد الضوء الأخضر لبغداد في التدخل عسكريا لحسم الأمور في كركوك، وما كان هذا ليحدث لولا التفاهم مع أنقرة، وكذلك إيران التي تسعى للجم طموحات الأكراد الانفصالية، وقبل ذلك نزعتهم "التوسعية" بالعراق.

ورغم أن تقدم القوات العراقية والحشد الشعبي جاء سريعا وسط انسحابات من القوات الكردية واتهامات بالخيانة من قوات البشمركة لقوات الاتحاد الوطني الكردستاني (جناح الطالباني) إلا أن المعركة مفتوحة على كل الاحتمالات بفعل تشابكاتها المحلية والإقليمية والتي تعبر عن ارتدادات وحسابات ما بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية.

المصدر : الجزيرة