جنوب اليمن.. إستراتيجية الفوضى الإماراتية مستمرة

بعد أكثر من عامين على إعلانه، يبدو تصريح وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش بأن الحرب في اليمن بعد تحرير عدن انتهت بالنسبة لبلاده، قبل أن يتراجع تحت ضغط الجدل الذي تبعه، إلا أن الوقائع على الأرض تثبت أن أبو ظبي تتعامل إستراتيجيا على أساس هذا التصريح.
أحدث فصول "صناعة الفوضى" في جنوب اليمن من قبل القوات والشخصيات المدعومة من الإمارات جاءت من استهداف التجمع اليمني للإصلاح وقياداته في عدن، وتبعه إطلاق رجل أبو ظبي في الجنوب عيدروس الزبيدي تصريحاته غير المسبوقة والتي أعلن فيها تشكيل جمعية وطنية، ودعوته لاستفتاء على انفصال الجنوب في دولة مستقلة.

فعلى مدار الأسبوع الماضي، نفذت قوات الأمن في عدن حملة اعتقالات شملت العديد من قيادات وكوادر حزب الإصلاح، فرع جماعة الإخوان المسلمين في اليمن، وتبعها قيام رجال أمن ملثمين بحرق مقر الحزب هناك، وهو ما نقل المعركة ضد الحزب من معركة تحريض عليه من قبل الإمارات وحلفائها، إلى محاولة استئصاله.

بعدها بأيام، وأثناء احتفالات الجنوبيين بذكرى ثورة الرابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول، أطلق محافظ عدن السابق ورئيس ما يسمى "المجلس الانتقالي" في الجنوب عيدروس الزبيدي تصريحاته التي نقل فيها عدوى "استفتاءات الانفصال" ليصل لجنوب اليمن، بعد نحو ربع قرن من الحرب التي وحدت شمال اليمن بجنوبه.

كلمة السر
مراقبون يمنيون تحدثوا للجزيرة نت عن أن استهداف حزب الإصلاح يقع في باب السعي الإماراتي الحثيث والمتسارع لبسط سيطرتها على القرار في الجنوب عامة، وفي مدينة عدن التي تعتبر "كلمة السر" في دور الإمارات في التحالف العربي خاصة.

وبحسب هؤلاء فإن حزب الإصلاح يكاد يمثل آخر القوى السياسية المنظمة في اليمن اليوم، بعد أن أدى انهيار الأوضاع هناك لتراجع كبير في منظومة العمل الحزبي على حساب صعود العمل المسلح، وظهور القوى والشخصيات التي صنعتها الإمارات.

ورغم أن حزب الإصلاح لا يمثل قوة كبيرة من حيث الكوادر على الأرض، فإن حرب أبو ظبي وأدواتها عليه يراد منها تحقيق هدفين رئيسيين، الأول إنهاء وجود أي قوى سياسية منظمة وخاصة من المتحالفة مع الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي في الجنوب وعدن بالخصوص.
والثاني استمرار أبو ظبي في تصفية حساباتها الإستراتيجية في ضرب أي حركة إسلامية، فهي ترى أن الحركات الإسلامية هي العدو الأول لإستراتيجيتها في السيطرة والتمدد والنفوذ، وهو ما ظهر بجلاء من قبل في مصر وليبيا وغيرهما.

فزاعة الانفصال
بالمقابل يقلل مطلعون على الشأن اليمني من دعوات انفصال الجنوب التي تصعد بين الحين والآخر، ويرون أن لها أهدافا لدى الإمارات لإبقاء الأمر كـ"فزاعة" تستخدمها للضغط على هادي وحكومته للقبول بشروطها التي تلبي مصالحها في اليمن.

وبحسب هؤلاء فإن حالة الفوضى الحالية في جنوب اليمن تعتبر "مثالية" بالنسبة للإمارات، فهي مكّنتها من تشكيل قوات موالية لها في عدن خاصة، وباقي محافظات الجنوب والساحل الغربي عامة، كما أنها عطّلت تماما ميناء عدن الذي تسعى الإمارات للسيطرة عليه منذ عام 2008.

وقصة ميناء عدن، وموانئ الساحل الغربي لليمن تبدو كحجر الزاوية بالنسبة لأبو ظبي، خاصة وأن السبب الرئيسي في توتر العلاقة بين الرئيس هادي وحاكم أبو ظبي محمد بن زايد يعود لرفض الأول التوقيع على اتفاقية تتيح للإمارات التحكم بميناء عدن لمدة 99 عاما.

وكانت أبو ظبي قد حصلت عام 2008 على حق إدارة الميناء، وقامت وقتها بتعطيله بالكامل، وأمام ضغط شباب الثورة اليمنية بعد عام 2011، قامت حكومة رئيس الوزراء محمد باسندوة بإلغاء الاتفاقية، وهو ما أغضب أبو ظبي.

الحزب الاشتراكي
ويدلل خبراء على أن إستراتيجية الإمارات محكومة بمصالحها لا بأولويات "تحرير اليمن" كونها تركز على عدن ومدن الساحل الغربي الذي سيطرت على موانئه باستثناء الحديدة.

وعلى وقع الدعوات للانفصال، وتفكيك وضرب القوى الفاعلة في الجنوب، وتصعيد أخرى موالية للإمارات، برز موقف لافت للحزب الاشتراكي اليمني، الذي دعا لمقاربة جديدة في العلاقة مع التحالف العربي، هي الدعوة الأولى من نوعها لحزب سياسي يمني.

الحزب حذر في بيانه من "استعداء العمل السياسي والمشتغلين به من الأحزاب والأفراد، والتعدي على أي من الحريات الدستورية"، ووصف ذلك بـ"الأمر الخطير والشائن الذي يهوي بالوطن شمالا وجنوبا إلى مجاهيل كارثية ويخلي المشهد لسائر النزعات الماضوية ما قبل الوطنية ويزرع التشظي على نحو بالغ التفتيت".

وقرأ مراقبون في دعوة الحزب بأنها جاءت تحذيرا من المشروع الإماراتي تحديدا في اليمن، وأن أهميتها تنبع من أنها جاءت من حزب قاد حرب تحرير جنوب اليمن من بريطانيا حتى الاستقلال عام 1967، عوضا عن أنه وحّد الجنوب في دولة بعد أن كانت تتشكل من 23 مشيخة وإمارة، وصولا لدوره في توحيد اليمن مع الشمال، وهو ما يعطي لصوته في الجنوب تحديدا صدى من نوع مختلف.
المصدر : الجزيرة