شباب تونسيون.. البحر يلتهم أحلامهم وينكب ذويهم

بعض من عائلات شباب ماتوا في عرض البحر بسبب تصادم باخرة عسكرية تونسية ومركب لمهاجرين (الجزيرة)
بعض من عائلات شباب ماتوا في عرض البحر بسبب تصادم باخرة عسكرية تونسية ومركب لمهاجرين (الجزيرة)

خميس بن بريك-تونس

عز الدين شاب مُعدم من قرية "بئر الحفي" في محافظة سيدي بوزيد الجنوبية مفجرة شرارة الثورة التونسية.. يشعر بمرارة قاسية بعد فقدان 13 شخصا من شباب حيه -بينهم شقيقه وبعض أبناء عمه- في عرض البحر قبالة جزيرة قرقنة جنوب شرقي تونس، في حادثة توصف بأنها مريبة، أسفرت مؤخرا عن وفاة ثمانية أشخاص وفقدان العشرات بسبب تصادم باخرة عسكرية تونسية ومركب لمهاجرين.

كاد عز الدين أن يلقى نفس المصير، لكن القدر أنجاه من ركوب الزورق المنكوب بعدما علق في ميناء "سيدي يوسف"، المنفذ الوحيد الذي يربط قرقنة بمدينة صفاقس (جنوب شرق).

الخصاصة دفعته إلى محاولة مغادرة البلاد مع شباب حيه بزورق للصيد من منطقة "العطايا" الواقعة أعلى نقطة بجزيرة قرقنة، لكن رجال أمن في ميناء قرقنة منعوه من دخول الجزيرة عقب نزوله من العوامة القادمة من ميناء صفاقس لأنه لم يقدم رشوة، حسب قوله.

جثث المفقودين
وبخلاف عز الدين الذي كان على دراية بتفاصيل الهجرة السرية من ميناء العطايا الصغير، حيث دفع هناك كل مهاجر ثلاثة آلاف دينار (1500 دولار) لـ"رَايْس" مركب الصيد، فإن عائلات ضحايا آخرين لم تعلم بالأمر إلا بعد سماع خبر غرق أبنائهم.

زورق لخفر السواحل التونسي في دورية مراقبة بين سواحل مدينتي صفاقس وقرقنة (الجزيرة)

الأب رمضان
يفترش الأرض مع عائلات الضحايا فوق حديقة خضراء صغيرة تطل على غرفة الموتى بالمستشفى الحكومي الحبيب بورقيبة في صفاقس، ويقبع وسطهم الأب رمضان الماجري منتظرا بدوره العثور على جثة ابنه ماهر المفقود في البحر، ويبكيه بحرقة.

مضى نحو أسبوع على بحث السلطات التونسية والإيطالية والمالطية عن جثث المفقودين في المياه الإقليمية. لكن ثماني عائلات فقط حالفها الحظ باسترجاع جثث أبنائها، بينما تقبع عائلات كثيرة في العراء على أمل رؤية جثث أبنائها.

لم يكن رمضان وحيدا في نكبته، بل يرافقه أخوه التوأم الذي فقد هو الآخر ابنه الصغير في الحادثة نفسها التي نكبت عددا من العائلات بنفس القرية التي يقطنونها في "سيدي عبيد" التابعة لمعتمدية وادي مليز من مدينة جندوبة (شمال غربي البلاد).

تحقيق في الحادث
غير بعيد عن العائلات المكلومة، يراقب أعوان أمن المكان ويلاحقون بنظراتهم الدقيقة أفراد تلك العائلات.. تزداد حدة انتباههم مع مطالبة عز الدين ورمضان وغيرهما بالكشف عن حقيقة مصير أبنائهم الذين ذكر ناجون أنهم "تعرضوا للقتل من قبل وحدة عسكرية".

يقول رمضان بصوت حزين يقطعه جهيش بكاء "بعض الناجين أكدوا لنا أن سفينة عسكرية رشتهم بالمياه الساخنة، وصدمت مركبهم وأغرقتهم عمدا". لكن الناطق باسم وزارة الدفاع بلحسن الوسلاتي ينفي تلك الرواية، ويؤكد أن "زورق المهاجرين هو من اصطدم بالوحدة العسكرية".

ويضيف بلحسن أن القضاء العسكري بصدد التحقيق في الحادث. وكانت وزارة الدفاع أعلنت الأحد الماضي في بيان لها عن اصطدام مركب مجهول بوحدة بحرية للجيش على بعد 54 كلم من شاطئ "العطايا" بجزيرة قرقنة مما أدى إلى غرقه. وقد تم إنقاذ 38 شخصا وانتشال 8 جثث.

‪‬ عائلات الشباب الضحايا يطالبون باسترجاع جثث أبنائهم في صفاقس(الجزيرة)

مقاربة خاطئة
المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الذي طالما انتقد المقاربة الأمنية للسلطات في معالجة ظاهرة الهجرة غير النظامية، انتقد فتح تحقيقات مؤقتة وسرية، وعبّر عن خشيته من أن تؤدي إلى الإفلات من العقاب، وطالب بمعاقبة المتسببين في الحادث مهما كانت رتبهم العسكرية.

وقد طالب رئيس هذه المنظمة الحقوقية مسعود الرمضاني الحكومة التونسية بمراجعة المقاربة الأمنية التي وصفتها بالخاطئة في التعامل مع الهجرة غير النظامية، وتفكيك شبكات التهريب المعقدة، ومراجعة التعاون المشترك مع دول الاتحاد الأوروبي الذي يعطي الأولوية لغلق الحدود.

ويقول الرمضاني للجزيرة نت إن "علاج ظاهرة الهجرة السرية تبدأ انطلاقا من تغيير المنوال التنموي الذي يقصي عديد الفئات ولاسيما الشباب"، مبينا أن دراسة قامت بها المنظمة كشفت أن "54% من الشباب التونسي يرغبون في مغادرة البلاد بسبب البطالة والتهميش والإحباط".

وأرجع رئيس المنتدى دوافع الهجرة غير النظامية إلى عدة أسباب، منها ارتفاع نسبة الانقطاع عن التعليم (100 ألف منقطع سنويا)، مع غياب الإحاطة الحكومية بالشباب الذين بقوا خارج حساباتها، إضافة إلى كثرة سماسرة التهريب، وتطور زوارق الصيد وانخراط صيادين في عملية الهجرة.

ومنذ انطلاق العام الجاري تم إيقاف أكثر من ألف شاب تونسي كانوا يسعون للهجرة باتجاه سواحل إيطاليا. وبحسب المنظمة الدولية للهجرة وصل 2700 تونسي إلى إيطاليا خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة. وتعد جزيرة قرقنة معبرا بارزا للمهاجرين لأنها قريبة من جزيرة "لامبيدوزا" الإيطالية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

عندما خرج الشباب التونسي للانتفاضة ضد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، لم يكن بعضهم يتصور أنه عقب سقوط النظام الدكتاتوري سيقاطع جزء منهم السياسة والانتخابات لعدم تحقق مطالبهم.

26/10/2014

اتفق الرئيس التونسي المؤقت منصف المرزوقي مع الرئيس التركي عبد الله غول، ورئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، على جملة من الإجراءات للحد من تدفق الشبان التونسيين على سوريا للقتال إلى جانب المعارضة.

29/5/2013

أظهرت دراسة حديثة أجرتها إحدى منظمات المجتمع المدني في تونس أنّ 90% من الشباب التونسي لا يثقون في الأحزاب السياسية، كما كشفت أنّ 75% منهم غير راضين عن أداء الإعلام.

30/4/2015

عزا خبراء اجتماعيون ومحللون انخراط جزء من شباب تونس بتنظيمات متطرفة لأسباب منها التفكك الأسري والمجتمعي وهشاشة النضج وانسداد الأفق وغياب الحلول.

27/6/2015
المزيد من تقارير وحوارات
الأكثر قراءة