لوحات فنية تحتضن رواد مقهى إدريس بالصويرة المغربية

زبائن مقهى حلويات إدريس تجذبهم اللوحات قبل المشروبات (الجزيرة)
زبائن مقهى حلويات إدريس تجذبهم اللوحات قبل المشروبات (الجزيرة)

عزيزة بوعلام-الرباط

وسط حركة لا تهدأ في المدينة العتيقة للصويرة، قد لا يعير المارة في الأزقة التي تشبه المتاهات من فرط التفافها وتداخلها اهتماما لمقهى قابع في قلب شارع ابن رشد، على بعد خطوات من ساحة مولاي الحسن الأكثر شهرة في المدينة السياحية جنوب غرب المغرب.

لا يتوقع زائره لأول وهلة أن بساطة الاستقبال الخارجي للمحل تخفي خلفها سحرا لا يقاوم، فما إن يتخطى عتبة بابه نحو الداخل حتى تطالعه فسحة تظللها أضواء خافتة تنبعث من فوانيس تتوزع في الأرجاء.

يشعر الزائر بعبق تاريخ عريق تتشكل حكايته مع رشفة رائقة من براد شاي تنبعث منه رائحة النعناع، وقطع حلوى مميزة تزداد حلاوتها في حضرة لوحات فنية أنيقة موزعة في كل الأركان.

أكثر من فنجان قهوة
على المدخل، يقف زكريا العثماني مدير المقهى المعروف بـ"حلويات إدريس" -تيمنا بالعائلة التي ورثته أبا عن جد- الذي جعل إلقاء التحية الدافئة وتوزيع الابتسامات الواثقة على الزوار مهمته الأساسية.

لا يتوقع زائر مقهى إدريس لأول وهلة ما يخفيه من سحر لا يقاوم (الجزيرة)

وبحسب رواد المقهى، فإن سرّ شهرته يعود إلى ما يحويه من لوحات فنية تكسو الجدران، حيث يمضي الزبائن معظم وقتهم وهم يرتشفون القهوة.

بين الفينة والأخرى، يتفقد زكريا هذه الرسومات التي أضفت الحياة على مقهاه، يطيل النظر إليها جميعا، فيسترجع أسماء من أبدعوها وكيف حطت الرحال بمقهاه، ويقول للجزيرة نت وقد علت وجهه ابتسامة رضا، إنه لم يرث عن والده الحلواني الحاج إدريس مقهى فقط، بل ورث تاريخا بقي في كل زاوية من زوايا المكان، عكف على تزيينه بالرسوم المهداة إليه من رسامين وفنانين جلسوا على طاولة مقهاه لسنوات.

جمال وفن
ويحتضن المكان اليوم مئات اللوحات، أبدعتها ريشة فنانين مغاربة وأجانب يترددون على المقهى، منهم من رحل ولم يبق من أثره سوى أعماله الفنية، وآخرون غادروا إلى بلدانهم تاركين خلفهم لوحات تذكر بهم.

ويستقبل المقهى -الذي تخطى عمره تسعة عقود- الزوار من مختلف مناحي العالم للاستمتاع باحتساء الشاي والقهوة في محيط تؤثثه لوحات فنية تأخذهم في جولة من سحر الفن وجمال المكان، بحسب قول زكريا الذي ألف تعود زبائنه على جو المرح والراحة في هذا الفضاء.

لوحات فنية تؤثث جدران مقهى إدريس في مدينة الصويرة المغربية (الجزيرة)

ويضيف صاحب المقهى أن الفكرة بدأت عفوية بعدما لاحظ أن لوحات أهداها له رسام كندي يدعى أرون زين بها جدران المحل، شدت انتباه الزبائن بما يخفف من صخب طوابير الوافدين وهم ينتظرون وقوفا تلبية طلباتهم من الحلويات.

ولم يلبث أن تحول المقهى إلى معرض دائم للوحات أهديت له أو اقتناها من فنانين تشكيليين آخرين، ويقول "إنهم أبدعوا في التعبير عن ثقافة ومعمار الصويرة، وإبداء محاسن مواقع المغرب الأثرية والتاريخية، بشكل يشبع فضول الزائرين".

مقهى يخدم الفن
في هذه المساحة الغنية بالصور واللوحات التي تخط تاريخ المكان وذكرياته، تجلس الصحفية وفاء كنسوس وهي تتنقل بنظرها بين الرسومات، وتعيد الكرة أكثر من مرة بين لوحة تشكيلية كبيرة للسلطان محمد بن عبد الله للفنان التشكيلي بوجمعة لخضر الملقب بعميد الفنانين بالصويرة، وأخرى لضريح سيدي كاوكي للفنان التشكيلي أحمد حروز.

فنانون محليون وأجانب عرضوا لوحاتهم في مقهى إدريس بمدينة الصويرة (الجزيرة)


تقول وفاء "عندما أزور الصويرة لا بد أن  أعرج على مقهى حلويات إدريس ولو للحظات، أستمتع فيها بجديد اللوحات الفنية التي تعرض في المكان". بينما يتحدث أحمد حروز عن لوحته بفخر ويقول "أعددت هذه اللوحة منذ أزيد من 15 سنة، وتركتها مع لوحات أخرى لعرضها في المقهى"، وأضاف أن أغلب رسوماته رسمها هنا.

ويرى حروز أن هذا المقهى يلعب دورا مهما في حياة الرسامين، إذ يحتضن لقاءاتهم ويجمعهم على أفكار استطاعت أن تتحول إلى أعمال فنية، تكون على تماس مباشر مع الزوار ليشاهدوها بطريقة أكثر حميمية.

واعتبر عدد من الفنانين التشكيليين أن فكرة عرض لوحات فنية في المقهى مختلفة نوعا ما، إذ يشاهدها كل الموجودين المهتمين بالفنون أو غيرهم، وهذا ما يساهم -بحسب رأيهم- في تشجيع الفن التشكيلي وتحفيز الرسامين على الإبداع وتفاعل المدارس الفنية المختلفة.

المصدر : الجزيرة