أحمد الأمين.. فقيد الميدان والمحراب

الزميل الراحل أحمد الأمين كان دائما بين البسطاء ينقل معاناتهم وتطلعاتهم (الجزيرة)
الزميل الراحل أحمد الأمين كان دائما بين البسطاء ينقل معاناتهم وتطلعاتهم (الجزيرة)

سيد أحمد الخضر

عند الحادية عشرة وتسع وثلاثين دقيقة مساء الخميس أرسل الزميل أحمد الأمين تقريرا عن آخر التطورات في العاصمة الغامبية بانجول، وبعدها بأقل من ساعتين كان علينا البحث عن هاتف عائلته لإبلاغهم بما لم يكن في الحسبان.

لجأ الأمين إلى أقرب عيادة طبية لإجراء فحوص إثر وعكة صحية بدت بسيطة لمراسل ميداني يلاحق التطورات ويقتحم المخاطر في قارة تموج بالحروب والاضطرابات.

ولكن بحلول الواحدة والنصف ليلا بالضبط، اتصل زميله من غامبيا ليقول إنه لا رادّ لقضاء الله، وإن المنون خطفته من بين أيدي الأطباء.

أسدل الستار إذن على مسيرة صحفية امتدت 20 عاما، ولحق الزميل الأمين بآخرين من خيرة أبناء الجزيرة وقعوا في شرك الموت أثناء وجودهم في مناطق الاضطرابات أو في جبهات القتال.

في 31 ديسمبر/كانون الأول 1967 أبصر أحمد الأمين النور في أسرة علم وتصوف تقيم بمنطقة أركيبة في ولاية لعصابة شرقي موريتانيا، فنشأ بين أحضان المحاضر وحلق الذكر.

حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، لينال لاحقا الإجازة في القراءات من معهد رابطة العالم الإسلامي في العاصمة الموريتانية نواكشوط.

وبعد حصوله على الثانوية العامة التحق الراحل بجامعة نواكشوط وحصل منها على درجة ليسانس في القانون العام.

ومن بوابة الأدب الذي يعشقه، ولج أحمد الأمين الصحافة والتحق بالوكالة الموريتانية للأنباء عام 1997، فعمل محررا ثقافيا قبل أن يتحول إلى الشؤون السياسية والدولية.

عايش أحداثا كبيرة في موريتانيا، فغطى الانتخابات والانقلابات الفاشلة والناجحة في أعوام 2003
و2004 و2005 و2008. ولاحقا عُين رئيسا لتحرير صحيفة "الشعب" الحكومية، ثم عمل مستشارا لمدير الوكالة الموريتانية للأنباء.

وفي 2007 عمل محررا بصحيفة "العرب" القطرية، ولكنه ما لبث أن عاد إلى نواكشوط ليعمل من جديد في الوكالة الموريتانية للأنباء، ولكنه شغل هذه المرة منصب رئيس التحرير.

الزميل أحمد الأمين غطى للجزيرة نت أبرز الصراعات والتطورات في غرب أفريقيا (الجزيرة)

دروب المتاعب
وفي 2013 التحق الزميل أحمد الأمين بشبكة الجزيرة الإخبارية، فعمل لأشهر في غرفة أخبار الجزيرة نت ومنها التحق بمكتب نواكشوط.

طيلة السنوات الماضية واكب الأمين الشأن الموريتاني، فغطى الأحداث السياسية والمؤتمرات الدولية، وواظب على التواجد في ربوع الحرمان فكتب عن أوجاع الفقراء والمرضى والمهمشين.

لم يكن الزميل معنيا بموريتانيا فحسب، بل واكب الشأن الأفريقي بشكل عام، وكان حريصا على ضمان تميز الجزيرة في القارة السمراء.

في مالي، غطى جبهات القتال ورصد نقاط التلاقي بين التنظيمات الإسلامية المسلحة وحركات التحرر المنادية باستقلال إقليم أزواد.

وإلى جانب التأزم السياسي والصراع العسكري، فتش الأمين عن كنوز الحقبة العربية والإسلامية في مالي، وكتب نصوصا رائعة عن زحف الرمال والخراب نحو تمبكتو، جوهرة الصحراء.

وعندما طرد البوركينابيون رئيسهم بليز كومباوري يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول 2014، حل أحمد الأمين في اليوم التالي بالعاصمة واغادوغو، ليحدث القراء العرب عن ثورة أحفاد سانكارا وعن الحشود الغفيرة التي تفلتت من عقال الذل وخرجت تلعن الفساد والغبن والاستبداد.

وفي السنغال الأكثر هدوءا في أفريقيا، غطى الأمين الشأن السياسي والاقتصادي وكتب تقارير جميلة عن حضور العربية والدين الإسلامي، وعن تمدد التصوف في المجتمع هناك.

ولمّا تنادى العرب إلى قمتهم مع الأفارقة في غينيا الاستوائية العام الماضي، شد الأمين الرحال إلى مالابو لينقل الحدث عن كثب ويبحث في خلفياته وتداعياته على الجانبين.

أحمد الأمين توفي في العاصمة الغامبية بانجول مساء 27 يناير/كانون الثاني 2017 (الجزيرة)

الفصل الأخير
وبعدما اندلعت الأزمة الغامبية إثر رفض الرئيس يحيى جامي نتائج انتخابات ديسمبر/كانون الأول الماضي التي خسرها، حل أحمد الأمين في بانجول فكتب عن قلق المواطنين من الخلود في الاستبداد، ومن التدخل العسكري الذي هددت به إكواس لفرض إرادة الناخبين.

لاحقا رحّلته السلطات مع طاقم الجزيرة، لكنه واصل تغطية الشأن الغامبي من دكار ونواكشوط، فأمد الجزيرة بالأخبار العاجلة والخاصة طيلة الأزمة التي تجاوزت بُعدها المحلي لتكتسب زخما إقليميا ثم دوليا.

وبعد رحيل جامي عن السلطة ودخول قوات إكواس إلى العاصمة بانجول، عاد أحمد الأمين ليسلط الضوء على تركة 22 عاما من القمع والقهر والإفقار.

لاحظ أن رجل الأمن الذي أشرف على ترحيله المرة الماضية كان في أتم الاستعداد لتسهيل إجراءاته هذه المرة، مما أوحى إليه بأن غامبيا استوعبت التغيير وأن بإمكانه أن ينجز مهمته دون معوقات.

لكن أحمد الأمين لن يواصل تغطيته، فلكل أجل كتاب، وقد جف القلم بما هو كائن.. شعر بضيق في التنفس وألم في الصدر لوقت قصير، ثم أسلم روحه الزكية إلى بارئها.

وفي اليوم التالي استقر به المقام في جوار الذين أحبهم واقتدى بهم في صلواته وخلواته، فقد ووري الثرى بين أضرحة العلماء ومشايخ الصوفية بعيدا عن زحمة الأحداث وضجيج المؤتمرات.

المصدر : الجزيرة