دمشق عطشى والينابيع من حولها

تعيش العاصمة السورية دمشق دون مياه منذ أكثر ثلاثين يوما (الجزيرة)
تعيش العاصمة السورية دمشق دون مياه منذ أكثر ثلاثين يوما (الجزيرة)

سلافة جبور-دمشق

لأول مرة في تاريخها، تعيش العاصمة السورية دمشق دون مياه لمدة تزيد على ثلاثين يوما، وهي المدينة التي اشتهرت بوفرة ينابيعها والمياه التي تغذيها.

ففي الثالث والعشرين من ديسمبر/كانون الأول الماضي انقطعت المياه بشكل كامل عن دمشق وذلك إثر تضرر أجزاء من منشأة نبع الفيجة -الذي يغذي العاصمة بالمياه- وخروجها عن العمل، مما تسبب بكارثة معيشية برزت آثارها جلية في معظم نواحي حياة ملايين الدمشقيين.

وينطلق النبع من قرية عين الفيجة التي تقع في وادي بردى بريف دمشق الشمالي الغربي، وتجاورها قرى أخرى أبرزها دير قانون وإفرة ودير مقرن وبسيمة، وهي قرى خرجت معظمها عن سيطرة قوات النظام في 2012، مما جعلها عرضة لحملات عسكرية ومواجهات عنيفة تسببت بدمار كبير للبنى التحتية.

تضحك ريما لدى سؤالها عما تفعله لتتدبر حاجة أسرتها من المياه، وتقول إنها قررت منذ يومين الاستفسار في أحد الحمامات الشعبية عن أسعار الاستحمام.

فالمياه التي تضخها المؤسسة العامة للمياه في دمشق وتحصل عليها ريما كل أربعة أيام لا تكفي حاجة أسرتها المكونة من ستة أفراد، ومع ارتفاع أسعار المياه التي بلغت نحو خمسة دولارات للبرميل الواحد، تسعى السيدة السورية للتفكير في حلول بديلة قد تكون أكثر توفيرا. 

أزمة مياه تشهدها العاصمة السورية دمشق (الجزيرة)

وتشير ريما في حديثها للجزيرة نت إلى الإقبال الكبير على الحمامات الشعبية التي تنتشر في أحياء دمشق القديمة وأشهرها البكر وأمونة ونور الدين، التي لا تزال حتى اليوم قادرة على تأمين احتياجاتها الكبيرة من المياه، ويكلف الاستحمام في الحمام الشعبي نحو ثلاثة دولارات، كما بات يتطلب حجزا مسبقا قبل أيام نظرا للإقبال الشديد، بعد أن كان مجرد وسيلة تقليدية للتسلية والترفيه.

ومع استمرار انقطاع المياه تزداد معاناة أبو كريم الذي يعيش في حي الشيخ محي الدين شمالي دمشق، حيث بالكاد تصل المياه إلى حيّه الجبلي المرتفع، ويضطر بشكل يومي لشراء عبوات كبيرة ونقلها إلى منزله مما يكلفه أموالا طائلة.

ويقول أبو كريم للجزيرة نت إنه يفكر -للمرة الأولى منذ ست سنوات- بالانتقال للسكن في قريته بريف حمص، "فالحياة هناك تبدو أبسط وأقل تكلفة من دمشق، حيث بتنا ندفع ثمن المياه والكهرباء والوقود أضعافا مضاعفة، ولن نستغرب أن يأتي يوم نضطر فيه لدفع ثمن الهواء الذي نتنفسه".

مسار الهدن
ورغم إعلانات متكررة للهدنة بين الطرفين المتحاربين في المنطقة بهدف وقف إطلاق النار وإدخال ورش لصيانة النبع وإعادة ضخ المياه لدمشق، فإن تلك المحاولات تعثرت ولم تجد طريقها للنجاح حتى الآن.

المعارضة تتهم النظام بتدمير مضخات المياه بعين الفيجة (الجزيرة)

فالهدنة الشاملة التي أُقرت في سوريا في الـ29 من ديسمبر/كانون الأول الماضي لم تكن ذات تأثير يذكر في مجريات الأحداث بوادي بردى الذي استمر النظام في حصاره وقصفه ومحاولات اقتحامه. وتبعت تلك الهدنة أخرى في الـ13 من يناير/كانون الثاني الجاري، التي كانت بدايتها مبشرة مع دخول عدد من عمال الصيانة لتفقد النبع وإصلاحه، إلا أنها سقطت بشكل مدوٍ بعد اغتيال اللواء أحمد الغضبان المكلف بإدارة ملف التفاوض في الوادي.

ومع تبادل طرفي النزاع المسؤولية بشأن اغتيال الضابط المذكور، انهارت الهدنة المفترضة وتقدمت قوات النظام مدعومة بمقاتلين من حزب الله اللبناني خلال الأيام التالية في قريتي عين الخضراء وبسيمة، وترافق ذلك مع مقتل عشرات المدنيين نتيجة القصف العنيف وفق ما نقلته الهيئة الإعلامية في وادي بردى.

أما آخر الاتفاقات الرامية لإنهاء الحرب في تلك المنطقة الحساسة من ريف العاصمة السورية فقد أُعلنت في الـ19 من الشهر الجاري أيضا بوساطة وفد ألماني، إلا أنه اتفاق لم يرَ النور بعد، حيث لا تزال المنطقة تشهد أعنف المعارك ومحاولات الاقتحام، ولا تزال المياه مقطوعة عن العاصمة.

وبين هذا الإعلان وذاك، واتفاقية فاشلة وأخرى لم تدخل حيز التنفيذ، يستمر سكان دمشق بشكل يومي في البحث عن حلول لأزمة لم يشهدوا لها مثيلا من قبل، في ظل عجز الحكومة السورية عن تأمين سوى جزء يسير من كميات المياه اللازمة لتغطية احتياجات كافة أحياء المدينة.

المصدر : الجزيرة