الليبي عبد الحكيم بلحاج.. صداع بريطانيا المزمن

عبد الحكيم بلحاج لجأ لبريطانيا فساهمت مع الأميركيين في تسليمه لنظام القذافي (رويترز)
عبد الحكيم بلحاج لجأ لبريطانيا فساهمت مع الأميركيين في تسليمه لنظام القذافي (رويترز)

العياشي جابو-لندن

قضت المحكمة العليا في بريطانيا مؤخرا بأنه من حق رئيس حزب الوطن الليبي عبد الحكيم بلحاج وزوجته مقاضاة بريطانيا بشأن تورط أجهزة استخباراتها في تعذيبه، وترحيله إلى بلاده أيام حكم العقيد معمر القذافي.

وقد أوضحت المحكمة بأنه لا يمكن للحكومة أن تتهرب من المحاكمة بدعوى قانون حصانة الدول الأجنبية سواء الولايات المتحدة أو ماليزيا أو تايلند أو غيرها من الدول التي لعبت دورا مباشرا أو غير مباشر في اختطاف بلحاج وزوجته، وترحيلهما قسرا إلى ليبيا عام 2004.

واستندت المحكمة في نص حكمها إلى وثيقة "ماغناكارتا" العريقة والتي ترمز إلى أن حقوق الإنسان مصانة دستوريا، وأن جميع المؤسسات والأفراد متساوون أمام القضاء.

وقد أعطت المحكمة بذلك الضوء الأخضر لبلحاج لمقاضاة من يتهمهم بلعب دور بارز في تعذيبه، وبالأخص المدير السابق لوحدة مكافحة "الإرهاب" في جهاز الاستخبارات الخارجية البريطانية السير مارك آلن.

وكذلك من حق بلحاج مقاضاة وزير الخارجية الأسبق جاك سترو باعتباره مسؤولا مباشرا عن مهام الاستخبارات الخارجية.

إغراءات مادية
ويضع الحكم القضائي الحكومة البريطانية في موقف حرج، لكون بلحاج يرفض تقاضي ثمن مادي مقابل تسوية قضيته، بل يصر على تلقى اعتذار رسمي من لندن وتعويض رمزي حتى ولو كان جنيها واحدا.

القضاء البريطاني حكم بأن الحكومة لا يمكنها التهرب من مسؤولياتها بذريعة الحصانة

وقد حاولت الحكومة البريطانية مرارا الإبقاء على سرية معلوماتها الاستخباراتية وطبيعة علاقاتها الخاصة مع الولايات المتحدة، ودفعت تعويضات كبيرة لبعض من واجهوا التعذيب في إطار الحرب على "الإرهاب".

وبعد صدور الحكم، أوضح بلحاج أن الحكومة البريطانية حاولت إغراءه ماديا لإغلاق القضية لكنه رفض لأن المال لا يعني له شيئا، وفق تعبيره.

وتتخوف الحكومة البريطانية من أن تفتح بهذا الاعتذار بابا لا تستطيع إغلاقه، إذ ربما يؤدي لإثارة ملفات كثيرة تمس بالطبيعة السرية لاستخباراتها إلى جانب التعويضات التي ستترتب على المرافعات القضائية.

مواجهة القضاء
ولا يزال الوزير الأسبق سترو يتشبث بأن تصرفاته لم تخرج عن نطاق القانون رغم إشارة قضاة المحكمة إلى أن مركزه السياسي السابق لن يشفع له في مواجهة القضاء مستقبلا وتحمل المسؤولية.

وتقول المحامية كوري كرايْدر إن الاعتذار الرسمي لبلحاج من شأنه أن يضع حدا للاستهتار بحقوق الإنسان.

وتشير كرايْدر -وهي مديرة بمؤسسة ريبريف الحقوقية- إلى أن الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب تعهد بإعادة استخدام التعذيب وسيلة للاستنطاق "وهي مشكلة كبيرة لبريطانيا والدول الحليفة للولايات المتحدة".

جاك سترو أحد المشمولين في ملف بلحاج حيث كان حينها وزيرا لخارجية بريطانيا

وتقول بعض المصادر القانونية إن الحكومة البريطانية بقيت أمامها فرصة واحدة وهي محاولة إقناع القضاء بإعادة فتح ملف بلحاج في جلسات مغلقة أو سرية، الأمر الذي يؤدي إلى مرافعات قضائية قد تمتد على مدى سنوات عديدة.

رحلة التعذيب
وتقول مؤسسة ريبريف التي تتبنى الدفاع عن بلحاج إن موكلّها كان يعيش في الصين مع زوجته عام 2004 وكان معروفا بمعارضته للقذافي، وإنهما طلبا اللجوء إلى بريطانيا بعد أن لمحا أن هناك رقابة عليهما.

وعند محاولاتهما الخروج، ألقي القبض عليهما ورحّلا إلى ماليزيا. وبعد توقيفهما بأسابيع قليلة هناك سُمح لهما بمواصلة رحلتهما إلى بريطانيا شريطة المغادرة على رحلة لطيران تمر عبر بانكوك.

ومن بانكوك سلّما إلى الاستخبارات الأميركية التي "استخدمت شتى أنواع التعذيب ورحلتهما إلى ليبيا وأودعا السجن".

وقد خرجت الزوجة من السجن بعد أسابيع قليلة فقط من ولادة ابنهما البكر، أما بلحاج فمكث ست سنوات كاملة في المعتقل يعاني شتى صنوف التعذيب.

‪كرايْدر: الاعتذار الرسمي لبلحاج سيضع حدا للاستهتار بحقوق الإنسان‬ كرايْدر: الاعتذار الرسمي لبلحاج سيضع حدا للاستهتار بحقوق الإنسان (الجزيرة)

وفي 2010 تم إطلاق بلحاج، ولكن عند سقوط نظام القذافي تم العثور على وثائق للاستخبارات الأمنية الليبية تؤكد ضلوع بريطانيا في مساعدة الاستخبارات الأميركية في ترحيله إلى ليبيا.

العلاقة الرائعة
وتقول ريبريف إنه تم العثور على وثيقة مرسلة بواسطة جهاز الفاكس من مارك آلن مدير مكافحة "الإرهاب" بجهاز الاستخبارات البريطانية الخارجية (حينها) إلى رئيس الاستخبارات الأمنية الليبي موسى كوسا.

وجاء في الوثيقة "أهنئكم على وصول أبو عبد الله الصادق (عبد الحكيم بلحاج) كان هذا أقل ما يمكن أن نفعله لإثبات العلاقة الرائعة التي بنيناها على مرّ السنين. أنا سعيد وممتن كثيرا لكم للمساعدة التي قدمتموها للضابط الذي أوفدناه الأسبوع الماضي".

كما عبر المسؤول البريطاني وقتها عن شكره للمسؤول الليبي عن ترتيباته الأمنية لنجاح زيارة رئيس الوزراء الأسبق توني بلير لليبيا والتقائه بالعقيد في خيمته.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

عرض قائد المجلس العسكري السابق في طرابلس عبد الحكيم بلحاج الذي يتهم لندن بالتورط في اعتقاله وتسليمه لنظام العقيد الراحل معمر القذافي، التخلي عن الدعوى القضائية التي رفعها ضد السلطات البريطانية مقابل حصوله على تعويض رمزي واعتذار.

قالت وثائق بريطانية مسربة إن وزير الخارجية البريطاني الأسبق جاك سترو ومسؤولاً أمنياً سابقاً ضللا لجنة برلمانية بشأن الدور الذي لعبته استخبارات بلدهما في اختطاف المعارضيْن الليبييْن عبد الحكيم بلحاج وسامي السعدي، وتسليمهما سراً إلى نظام حاكم ليبيا الراحل معمر القذافي.

المزيد من أسرى ورهائن
الأكثر قراءة