الصحافة الورقية بموريتانيا.. تحديات بالجملة

أكثر من 80% من الصحف الموريتانية تعثر صدورها في السنوات العشر الأخيرة (الجزيرة)
أكثر من 80% من الصحف الموريتانية تعثر صدورها في السنوات العشر الأخيرة (الجزيرة)
أحمد الأمين-نواكشوط

لا تكاد الصحف في موريتانيا تصدر إلا لتتوقف، فهي في أغلبيتها العظمى مبادرات شخصية لا انتظام لصدورها ولا مواعيد لتوزيعها، وقد تكون الصحيفة الواحدة يومية في شهر، وأسبوعية في الذي بعده، أو شهرية وربما فصلية أو موسمية.

"صاحبة الجلالة" في موريتانيا لا تزال شابة مقارنة بأغلب البلدان العربية، فتاريخ الصحف الورقية في هذا البلد -إذا استثنينا عنوانين أو ثلاثة- يعود إلى أقل من ثلاثة عقود، حيث شهدت الانتشار بالتزامن مع التعددية السياسية التي شهدتها البلاد في بداية تسعينيات القرن الماضي.

وشهدت الانطلاقة تجارب جادة على يد عدد من شيوخ المهنة في موريتانيا، حيث صدرت صحف تميزت بالرصانة والجدية، من بينها "موريتانيا الغد" و"موريتانيا الجديدة" الصادرتان باللغة الفرنسية، و"البيان" و"القافلة" و"الزمان" و"أخبار الأسبوع" و"المراقب" و"الأمل" الصادرة باللغة العربية.

فوضى خلاقة
لكن هذه العناوين لم تلبث أن اختفت في ظل "فوضى خلاقة" أراد بها النظام آنذاك تمييع الحقل فتم الترخيص لعشرات الصحف التي ظل أغلبها مجرد رخص لا تصدر إلا لماما وفي المناسبات، وأحيانا بإرادة السلطة نفسها.

ورغم الفوضوية التي حكمت المشهد ظهرت صحف أسبوعية ويومية حافظت على الصدور فترات متفاوتة، لكن أغلبها توقف تحت ضغط إكراهات المصاريف المادية وضعف المردودية وهشاشة البنية القاعدية في عنصريها البشري واللوجستي.

المشكل المادي أبرز ما يحول دون انتظام إصدار الصحف الموريتانية (الجزيرة)

وفي ظل غياب الإحصاءات والمعلومات الموثقة لا يمكن الحديث عن أرقام دقيقة، لكن رئيس اتحاد الناشرين (اتحاد يضم مدراء نشر الجرائد في موريتانيا) موسى ولد صمب سي يؤكد أن نسبة تفوق 80% من الصحف تعثر صدورها في السنوات العشر الأخيرة.

لكن ولد صمب سي يقول إن هذا "التوقف الناجم عن عوامل اقتصادية بالدرجة الأولى هو توقف قد يكون مؤقتا لأنه لا يوجد قرار من أي صحيفة بالتوقف النهائي عن الصدور، ومن ثم فيمكن أن تعود هذه الصحف للصدور في أي لحظة".  

وتشير أرقام المطبعة الوطنية (الجهة التي تسحب الصحف) إلى عدم انتظام صدور الصحف اليومية والأسبوعية، فلم يصدر من اليوميات في 2014 سوى 11 صحيفة، بعضها صدر 41 مرة فقط، ولم يحافظ أغلبها على الانتظام.

وقد شهدت السنوات الأخيرة توقف عدد من أشهر الصحف الموريتانية، من أهمها أسبوعية "أخبار نواكشوط" التي حافظت على انتظام الصدور قرابة ثلاثة عقود، وتولى مسؤوليتها بعض من أبرز الإعلاميين الموريتانيين، مثل نقيب الصحفيين السابق الحسين ولد مدو ومحمد محمود أبو المعالي قبل أن تتوقف عام 2014.

صحف موريتانية معروضة في أحد الأكشاك (الجزيرة)

مشاكل مالية
وضمت لائحة التوقف عن الصدور جريدة السفير التي كانت أول يومية مستقلة تصدر بالعربية في موريتانيا، كما توقفت صحيفة الأخبار التي بدأت يومية بعد سقوط الرئيس السابق معاوية ولد سيد أحمد الطائع 2005 ثم أصبحت في ما بعد أسبوعية قبل توقفها المستمر منذ سنوات.

وبموازاة هذا التراجع "للورقي" حظيت المواقع الإلكترونية بمقروئية واستقطبت العديد من المهتمين بمتابعة الأحداث، وباتت بعض المواقع المصدر الأول للخبر لدى أغلبية الناس.

ويرجع أستاذ الإعلام ونقيب الصحفيين الموريتانيين السابق الحسين ولد مدو معاناة الصحافة الورقية في موريتانيا إلى عوامل متعددة، من بينها ما يعبر عنه بــ"انفجار الوسائط الاتصالية وسيادة الوسيط الإلكتروني بخصائصه الانسيابية والتفاعلية".

ويضيف ولد مدو في حديث للجزيرة نت أن الصحافة الورقية إلى جانب ذلك تعاني مشاكل بنيوية، من أهمها "هشاشة المقاولات الصحفية، وغياب المؤسسية التي حالت دون استدامتها وأبقت التجربة مجرد طموح فردي لتأسيس صحيفة، وليس انخراطا جديا في مسار التأسيس".

وفضلا عن تلك التحديات يشير ولد مدو إلى مشاكل أخرى ساهمت في تردي أوضاع الصحافة المطبوعة، مثل عدم المردودية الاقتصادية، وغياب وسائل التوزيع، وانعدام الإشهار.

المصدر : الجزيرة