البريكست.. تداعيات داخلية وخارجية كبيرة

الجنيه الإسترليني يهوي بسبب مخاوف من انفصال صعب مع أوروبا (الأوروبية)
الجنيه الإسترليني يهوي بسبب مخاوف من انفصال صعب مع أوروبا (الأوروبية)
علي بابكر-الجزيرة نت

كان يوم 23 يونيو/حزيران الماضي يوما مشهودا في تاريخ بريطانيا والاتحاد الأوروبي وربما العالم، إذ صوّت 52% من البريطانيين لصالح خروج بلادهم من الاتحاد بعد 42 عاما من عضويتها فيه.

ويخشى بعض المراقبين أن يؤدي هذا الخروج -الذي أصبح يُطلق عليه مصطلح "بريكست"، وهي الكلمة الإنجليزية التي تعني خروج بريطانيا- إلى تفكك المملكة المتحدة وكذلك الاتحاد الأوروبي، وعودة النفوذ الروسي -السوفياتي السابق- في شرق أوروبا، وغير ذلك من التداعيات الاقتصادية والتجارية على بريطانيا والعالم.

ومن أهم الأسباب التي يمكن أن تكون قد دفعت البريطانيين للتصويت للخروج: الهجرة الأوروبية خاصة من دول شرق القارة، وأزمة اللاجئين، والرسوم التي يفرضها الاتحاد (55 مليون جنيه إسترليني يوميا)، واعتبارهم أن الاتحاد يفتقر إلى الديمقراطية.

كما يتوجس البريطانيون من فكرة إنشاء قوة عسكرية أوروبية موحدة بسبب مخاوف تتعلق بتحملهم عبء المشاركة الكبرى فيها عسكريا وماليا، ولا سيما أن بلادهم هي أقوى الدول الأوروبية من الناحية العسكرية.

وعزز هذه الأسباب ضعف القوى المؤيدة لاستمرار عضوية بريطانيا في الاتحاد، خاصة داخل حزبي المحافظين والعمال.

وسعى رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفد كاميرون إلى تعديل القواعد المرتبطة بالهجرة، ولكن كانت مساعيه تُقابل دائما برفض أوروبي، لأن بند حرية انتقال الأفراد في اتفاقية "شنغن" تعد واحدا من أهم بنود الاتحاد.

‪نقل خبر تصويت بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي في بورصة مومباي‬ (الأوروبية)

تهديد الوحدة
ومن أهم التداعيات الداخلية المتوقعة للبريكست على بريطانيا هو تهديده بتفككها، حيث ترى أسكتلندا أن مستقبلها هو ضمن الاتحاد الأوروبي، علما بأنها صوتت بنسبة 62% للبقاء ضمن الحاضنة الأوروبية، وربما تنظم استفتاء جديدا حول الاستقلال من بريطانيا إذا مُنعت من الدخول إلى السوق الأوروبية المشتركة بعد خروج بريطانيا من التكتل الأوروبي.

كما هددت إيرلندا الشمالية أيضا بإجراء استفتاء للانفصال عن المملكة وتوحيد شطريها، وهناك مخاوف من أن يقوض الخروج اتفاق السلام الذي تم التوصل إليه عام 1998 بين لندن وإيرلندا الشمالية.

ويلاحظ أن توجهات الناخبين في المناطق الأربع المكوّنة لبريطانيا -وهي إنجلترا وويلز وأسكتلندا وإيرلندا الشمالية- قد تباينت بشكل واضح، فبينما صوتت الأغلبية في إنجلترا لصالح الخروج، وأيدته ويلز، صوتت إيرلندا الشمالية وأسكتلندا لصالح البقاء.

وكان للعاصمة لندن موقف مميّز من الخروج ونتائج الاستفتاء، فقد صوتت هذه المدينة -التي تُوصف بأنها من أكثر المدن تعددية في العالم- بنسبة 60% لصالح بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، كما شهدت مظاهرات واحتجاجات على نتيجة الاستفتاء.

‪عمدة لندن صادق خان قال إن مدينته ينبغي أن تكون لها كلمتها في مفاوضات الانفصال‬ (رويترز)

ووقع أكثر من أربعين ألف شخص عريضة تطالب ببقاء لندن في الاتحاد الأوروبي، مع إعلان رئيس بلديتها صادق خان أن المدينة يجب أن تكون لها كلمة في مفاوضات الانفصال. وتنص العريضة على "إعلان لندن مستقلة عن المملكة المتحدة وطلب الانضمام للاتحاد الأوروبي".

وأكدت الوثيقة أن "لندن مدينة دولية، ونريدها أن تبقى في قلب أوروبا، وهي تختلف عن سائر البلاد، وبدلا من التصويت بشكل عدائي أحدنا ضد الآخر في كل انتخابات، دعونا نجعل الانفصال رسميا وننتقل إلى جانب أصدقائنا في القارة".

دور البرلمان
وفي تطور مهم، قضت المحكمة العليا في إنجلترا الشهر الماضي بأن على الحكومة البريطانية أن تطلب موافقة البرلمان على بدء عملية الخروج من الاتحاد الأوروبي، مما يضر خطط رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي في هذا الشأن.

وقد أعلنت ماي من قبل أنها تخطط لبدء العملية في نهاية مارس/آذار المقبل، بتفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة للاتحاد الأوروبي التي تضع قواعد لعملية تفاوض لمدة سنتين لمغادرة أي دولة الاتحاد.

‪ماي تخطط لتفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة للمفاوضات من أجل الخروج من الاتحاد‬ (الأوروبية)

ورغم قدرة البرلمان البريطاني نظريا على منع البلاد من الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، فإن أغلب المراقبين يرون أن ذلك غير ممكن في ضوء تصويت الشعب البريطاني في استفتاء يونيو/حزيران لصالح الخروج.

تداعيات على أوروبا
ويقول بعض المراقبين إن آثار البريكست على الاتحاد الأوروبي ستكون كبيرة، ففي الوقت الذي تتراجع فيه قوة أوروبا على الصعيد الاقتصادي والمالي والعسكري والدبلوماسي في العالم، فإن خروج بريطانيا سيفقد الاتحاد ثاني أكبر أعضائه من حيث الكثافة السكانية، وثاني أكبر اقتصاد، وأكبر قوة عسكرية من حيث الإنفاق.

كما قد يسبب الانسحاب ذعرا لحلفاء المملكة في جميع أنحاء العالم، لكنه سيريح منافسي الاتحاد الأوروبي، وفي المكانة الأولى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

ومن المتوقع أن يؤدي الخروج إلى تردد بلدان أوروبا الغربية في الانجرار إلى الصراعات والمشاكل في أوساط بلدان أوروبا الشرقية أو في فضاء الاتحاد السوفياتي السابق، كما أن العقوبات المفروضة على روسيا في أعقاب ضمها شبه جزيرة القرم أصبحت أكثر هشاشة، وخروج بريطانيا يقوي من موقف الذين يدافعون من أجل وضع حد لهذه العقوبات.

وإذا شجع البريكست على خروج مزيد من الدول من الاتحاد الأوروبي، مثل إيطاليا وغيرها، فإن ذلك يصب في صالح روسيا التي ترغب في أن تتعامل مع الدول الأوروبية بشكل منفرد وليس ضمن اتحاد يضم خمسمئة مليون نسمة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تجري في كواليس الحكومة البريطانية مشاورات مكثفة للنظر في إمكانية تأجيل تفعيل المادة (50) من معاهدة لشبونة بشكل يسمح لبريطانيا بتمديد فترة مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي.

هوى الجنيه الإسترليني الثلاثاء لأدنى مستوى له في أكثر من ثلاثة عقود أمام الدولار، جراء مخاوف المستثمرين من خروج صعب لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإمكانية خسارة لندن للسوق الأوروبية الموحدة.

المزيد من تقارير وحوارات
الأكثر قراءة