احتجاجات بتونس بسبب التمييز ضد الأفارقة

جانب من احتجاجات الطلبة الأفارقة ضد التمييز العنصري بتونس (الجزيرة)
جانب من احتجاجات الطلبة الأفارقة ضد التمييز العنصري بتونس (الجزيرة)

خميس بن بريك-تونس

يستمتع الإيفواري جون كلود مع شقيقه الصغير حكيم بالتجول في شوارع العاصمة تونس التي تشهد حركة مميزة مع نهاية كل عام، وذلك عقب خضوعه لعلاج انسداد الشرايين، لكن رغم مشاعر السعادة التي تغمره بقي مشغول البال جراء تصاعد الاعتداءات العنصرية على الأفارقة.

بخطى قصيرة ومترنحة يمشي الاثنان براحة جنبا إلى جنب واضعين أيديهما في جيوبهما اتقاء للبرد، بينما يصوبان بصرهما باتجاه المارة ويتهامسان عن الأحداث الأخيرة عقب الاعتداء على ثلاثة كونغوليين من قبل شاب تونسي تسبب لهم في أضرار جسيمة، مما فجر احتجاجات عارمة.

جاء جون كلود (53 عاما)، وهو موظف في وزارة المالية الإيفوارية، قبل ثلاثة أسابيع إلى تونس لتلقي العلاج عقب تصلب شرايينه بعد سماعه قصص نجاح عن الخبرة التونسية في أمراض القلب والشرايين، لكن شعوره بالفرح بعد نجاح علاجه زاحمه شعور بالصدمة من الاعتداءات العنصرية.

اعتداءات متكررة
لم يواجه جون كلود مشكلة في تونس التي يزورها للمرة الأولى، لكنه يقول بلغة فرنسية طغت عليها لكنة أفريقية ملحوظة إنه مصدوم من حادثة تعرض ثلاثة كونغوليين للعنف الشديد بينهم طالبة نجت من محاولة ذبح، في حين تقول الشرطة إن المعتدي مختل عقليا.

الشقيقان الإيفواريان جون كلود وحكيم مصدومان من حادثة تعرض طلبة أفارقة للاعتداء (الجزيرة)

وقد فجر الاعتداء احتجاجات الأحد الماضي وسط العاصمة تونس شارك فيها عشرات الطلبة الأفارقة من مختلف الجنسيات للتنديد بتكرار الاعتداءات العنصرية في حقهم، وعدم معاقبة المعتدين رغم تعدد تظلماتهم، والمطالبة بإصدار قانون يجرم التمييز العنصري والعرقي.

يعتبر حكيم (35 عاما) شقيق جون كلود أن الاعتداء الأخير كان بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس بالنظر إلى تكرار أشكال الاعتداءات على الأفارقة.

وبوصفه طالبا يدرس الإنجليزية في جامعة خاصة بتونس منذ عامين ونصف العام، تعرض حكيم إلى اعتداءات متكررة.

ويذكر هذا الشاب الذي بدا متأنقا ببدلته وربطة عنقه المزركشة، أنه اضطر مرات عدة إلى تغيير منازل استأجرها بالعاصمة جراء تعرضه إما للرشق بالحجارة أو مفرقعات وإما التهكم عليه بسبب لونه. ويقول للجزيرة نت "تمت إهانتنا أحيانا من قبل صبيان أمام أوليائهم دون أن يحركوا ساكنا".

لم يستطع حكيم المشاركة في الاحتجاج بحكم وقوفه إلى جانب أخيه في محنة مرضه، لكنه ضم صوته إلى أصوات زملائه الأفارقة لمناهضة الممارسات العنصرية بشتى أنواعها والضغط على الحكومة لنشر المساواة والتسامح في بلد كان أول من ألغى العبودية في أفريقيا عام 1841.

عبارات مهينة
ورغم أن الاستعمار الفرنسي أصدر أمرا ثانيا يلغي العبودية في تونس عام 1890، فإن "الرواسب التاريخية تدفع بعض التونسيين لممارسة مختلف أشكال التمييز العنصري ضد أصحاب البشرة السمراء سواء كانوا تونسيين أو أفريقيين"، كما تؤكد الناشطة سعدية مصباح.

وتترأس سعدية منظمة "منامتي" التي تنشط ضد التمييز العنصري، وبحكم موقعها تلقت العديد من التظلمات من تونسيين أو أفريقيين تعرضوا للتعنيف أو الشتم أو التحقير بسبب لونهم، لكنها تؤكد أن "أغلب الشكايات لم يقع البت فيها بينما يقع ببعض الأحيان إلصاق التهمة بالمشتكين".

ومع أن عديد التونسيين لا يقرون بوجود تمييز عنصري، فإن سعدية تقول للجزيرة نت إنه بقطع النظر عن الاعتداءات الجسدية يستخدم بعض التونسيين عبارات مهينة في حق أصحاب البشرة السوداء مثل كلمة "كحلوش" أو "شوشان" أو "وصيف" التي ترمز إلى الخادم أو العبد.

 سعدية (وسط): بعض التونسيين يستخدمون عبارات مهينة بحق أصحاب البشرة السوداء (الجزيرة)

ورغم أنها موقعة على الاتفاقية الدولية لمناهضة التمييز العنصري وتسعى لتجريم الانتهاكات ضد أصحاب البشرة السوداء، فإن من التناقضات التي توثق لثقافة التمييز -حسب سعدية- وجود مقبرة بجزيرة جربة (جنوب) مخصصة فقط للسود، في حين يدفن البيض لوحدهم بمقبرة أمامها.

الحكومة تتحرك
وأقرت الحكومة التونسية يوم 26 أكتوبر/تشرين الأول يوما وطنيا لمناهضة التمييز العنصري، وطالبت البرلمان بالتسريع بسن قانون يجرم العنصرية، كما كوّنت فريق عمل لمعاينة واقع التمييز العنصري بهدف إيجاد الحلول الكفيلة لمعالجة هذا الوضع.

وعلى الرغم من كل شيء، سافر الإيفواري جون كلود الخميس لبلده حاملا معه ذكريات جميلة عن تونس، وهو واثق من أنها ستحافظ على صورة مشرقة مقارنة ببلدان الثورات العربية، لكن باله بقي مشغولا على أخيه حكيم الذي لا يعلم إن كان التمييز العنصري سينتهي في تونس بمجرد قانون.

المصدر : الجزيرة