دمشق بلا مياه واتهامات متبادلة بين المعارضة والنظام

أجزاء من نبع الفيجة خرجت من الخدمة في إثر الدمار الذي لحقه (مواقع التواصل الاجتماعي)
أجزاء من نبع الفيجة خرجت من الخدمة في إثر الدمار الذي لحقه (مواقع التواصل الاجتماعي)

سلافة جبور-دمشق

منذ خمسة أيام تستيقظ أم سليمان في الخامسة صباحا وهي تنتظر دور حيها في الحصول على مياه الشرب كي تملأ أكبر قدر من الأوعية والقوارير تحسبا لانقطاع قد يطول.

وتقول أم سليمان -التي تقطن حي ركن الدين شمال العاصمة السورية دمشق- إنها ولأول مرة منذ سنوات تحس بالعجز التام "فقد اعتدنا إيجاد حلول وبدائل لفقدان الكهرباء والوقود ومقاومة البرد والحر الشديدين، أما المياه فلا بديل عنها سوى الانتظار والدعاء".

وتعيش دمشق منذ 23 ديسمبر/كانون الأول الحالي أطول انقطاع مستمر للمياه أثناء السنوات الأخيرة في إثر خروج أجزاء من نبع عين الفيجة -الذي يغذيها بمياه الشرب ويعتبر شريان الحياة الأساسي فيها- من الخدمة.

ويقع النبع في منطقة وادي بردى بريف دمشق الشمالي الغربي والتي تضم 13 قرية تسيطر فصائل المعارضة على معظمها، مما يجعله عرضة للاستهداف من قبل قوات النظام، وسلاحا استخدم مرات عدة أثناء السنوات الأخيرة من قبل أحد الطرفين المتحاربين للضغط على الطرف الآخر.

وتبادل كل من مقاتلي المعارضة وقوات النظام الاتهامات بشأن الكارثة المائية التي تعيشها دمشق والملايين من سكانها منذ أيام.

حملة عسكرية
ويؤكد ناشطون وهيئات عاملة في منطقة وادي بردى أن النظام شن حملة عسكرية عنيفة أثناء الأيام الأخيرة في محاولة لاقتحام المنطقة من عدة محاور، مستهدفا إياها بعشرات البراميل المتفجرة والصواريخ والقذائف.

الناشطون يؤكدون أن الحملة العسكرية للنظام أخرجت نبع الفيجة من الخدمة (مواقع التواصل الاجتماعي)

ويوضح الناشطون أن هذه الحملة أدت إلى إخراج جزء من منشأة النبع من الخدمة وتسرب المازوت والكلور واختلاطهما بمياه الشرب التي تغذي دمشق، بينما غارت نسبة كبيرة من مياه النبع تحت الأرض نتيجة القصف والدمار، تزامنا مع وقوع عشرات الضحايا والجرحى ودمار كبير بالبنى التحتية.

وبحسب ناشطين، هدف النظام السوري إلى الضغط على مقاتلي المعارضة للقبول بتوقيع اتفاق للمصالحة والخروج من المنطقة التي يقطنها نحو مئة ألف مدني نحو شمال البلاد، على غرار الاتفاقيات التي أدت لتفريغ مناطق مثل داريا وقدسيا والهامة والتل من المقاتلين وبعض الأهالي، وهو ما ترفضه الفصائل المقاتلة في منطقة وادي بردى بشكل قطعي حتى اليوم.

على الجانب الآخر، تتهم المؤسسة الحكومية السورية لمياه الشرب فصائل المعارضة بتلويث المياه بالديزل، مما اضطرها إلى قطع المياه عدة أيام واستخدام المصادر الاحتياطية وتوزيعها على الأحياء بشكل متتابع.

"أجت المي؟"، "إيمتا دورنا؟"، "كم سعر اللتر اليوم؟" أسئلة لا بد لكل من يسير في شوارع العاصمة السورية من سماعها، فالانقطاع المفاجئ والطويل بات حديث السكان اليومي، وتأمين المياه أصبح شغلهم الشاغل بعدما تراوح سعر برميل المياه (مئتا لتر) بين خمسة آلاف وتسعة آلاف ليرة سورية (عشرة إلى 18 دولارا)، وارتفع سعر عبوة مياه الشرب بشكل غير مسبوق إلى 750 ليرة (دولار ونصف).

كارثة
ويعبر الناشط الحقوقي بسام الأحمد للجزيرة نت عن خشيته من أن دمشق مقبلة على كارثة مائية حقيقية إن لم يتم التدخل بشكل عاجل لوضع حد لها.

ويؤكد الناشط -وهو المدير التنفيذي لمنظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة"- أن التحقيقات أظهرت استهداف النظام بشكل مباشر منشأة نبع الفيجة.

ويقول إن ذلك يعتبر جريمتي حرب في آن واحد، كون النظام قصف منشأة حيوية مدنية لا يجوز استهدافها، وكونه قد أدى لقطع المياه وتسرب المازوت والزيت والكلور، وبالتالي انقطاع المياه عن ملايين السكان، وفق تعبيره.

بيان الفعاليات العاملة في وادي بردى للمناشدة بإنقاذ نبع الفيجة (مواقع التواصل الاجتماعي)

ورغم أهمية هذه المنشأة الحيوية لعاصمة النظام ومركز سيطرته فإن الأحمد لم يستبعد استخدامها سلاحا من قبل النظام الذي لا يرى مشكلة في مخاطرة بهذا الحجم في سبيل تأمين حزام العاصمة والسيطرة على هذه المنطقة الحيوية القريبة من الزبداني والحدود السورية اللبنانية، مستغلا الفراغ الدولي الكبير الناتج عن غياب الدور الأميركي في القضية السورية، كما يشرح الأحمد.

ونشرت الهيئة الإعلامية في وادي بردى أول أمس الاثنين على مواقع التواصل الاجتماعي بيانا من الفعاليات المدنية العاملة في المنطقة ناشدت فيه المجتمع الدولي بكافة حكوماته ومؤسساته تحمل مسؤولياته تجاه المدنيين في وادي بردى، مطالبة بضرورة التدخل السريع لإنقاذ ما تبقى من منشأة نبع الفيجة.

ودعا البيان إلى الضغط على قوات النظام لإيقاف حملته العسكرية، مع التأكيد على رفض سياسة التهجير القسري والتغيير الديمغرافي التي ينتهجها النظام السوري، والوصول لاتفاق يضمن سلامة المدنيين والسماح بإدخال ورشات الصيانة وإصلاح النبع وإبقائه تحت إدارة اللجنة المفوضة من أهالي المنطقة.

المصدر : الجزيرة