أنيس العامري.. من الوسلاتية إلى الموت "إرهابيا" بأوروبا

والدة أنيس العامري السيدة نور الهدى تحمل صورته في منزل العائلة بمدينة الوسلاتية (الأوروبية)
والدة أنيس العامري السيدة نور الهدى تحمل صورته في منزل العائلة بمدينة الوسلاتية (الأوروبية)

خميس بن بريك-تونس

تكاد شوارع مدينة الوسلاتية في ولاية القيروان التونسية مسقط رأس أنيس العامري المشتبه فيه بتنفيذ عملية برلين تخلو من ضجيج حركة المارة والسيارات، وحدها الضجة التي أعقبت مقتله بميلانو في إيطاليا ما زالت مثار أحاديث المدينة وأهلها.

داخل أحياء الوسلاتية الفقيرة -وتحديدا في حي العمال- يخيم صمت مطبق أمام منزل هذا الشاب عقب أيام من مجلس عزاء أقامته عائلته بعد مقتله على يد شرطي إيطالي بينما كان ملاحقا بشبهة ارتكاب جريمة "إرهابية" قتل فيها 12 شخصا دعسا بشاحنة.

في هذا الجو المشحون لم تعد والدة أنيس تطيق الحديث، وكل ما تتوق إليه بحسب ابنها عبد القادر هو "معرفة سبب مقتله في تلك الظروف دون الإمساك به والتحقيق معه والحكم عليه بأشد العقوبات إن ثبتت إدانته".

ويؤكد عبد القادر للجزيرة نت أن الوضع النفسي للعائلة أصبح متدهورا عقب ارتباط شقيقه بحادثة برلين، وما يثير تساؤلاته هو كيف تحول أخوه (24 عاما) فجأة من شاب يرقص ويغني ويشرب الخمر إلى "داعشي".

والد أنيس العامري استغرب لماذا لم يتم التحقيق مع ابنه عما نسب إليه قبل أن يقتل (الجزيرة)

محنة الفقر
بشأن نشأة أخيه، يوضح أن أنيس عاش في عائلة فقيرة وافرة العدد، انقطع عن التعليم في سن الـ14 ليبقى عاطلا أو يعمل أحيانا بمهن بسيطة ثم حكم عليه بتهمة السرقة قبل أن يهاجر إلى إيطاليا.

وقد تبدو وضعية الأب مصطفى العامري الثمانيني أسوأ حالا قياسا بأفراد عائلته، فمع أنه لم يستسلم لليأس لكن وجعه على ولده أنيس بدا واضحا على وجهه الشاحب وهو يجوب الشوارع الملتوية التي تشق المنازل المهترئة بعربة بدائية تجرها بغلته.

بترت اليد اليمنى لهذا العجوز بالكامل لما تفجر لغم خلفه الاستعمار الفرنسي عندما كان صغيرا يجمع العنب مع والديه في إحدى المزارع، ورغم إعاقته فإن ظروفه القاسية تدفعه للعمل حمالا مقابل بضعة دنانير.

يقول العم مصطفى -الذي يكاد صوته يتلاشى وهو يتحدث عن ولده- "قبل أن يتوفى بأيام مازحني بالهاتف وطلب مني أن أعد له طبق كسكسي". وبعين دامعة يضيف للجزيرة نت "لماذا لم يقع بحثه (التحقيق معه)، سأكون أول من يطالب بقتله إن كان مجرما؟".

أنجب هذا العجوز أربعة أولاد وخمس بنات، وكان يأمل أن يساعده ولده الصغير على مجابهة قسوة الظروف بعد أن نجح في الهجرة إلى إيطاليا سنة 2011 باحثا عن حياة أفضل تنشله من الفقر، لكن السجن وحياة السرية كانا يلاحقانه.

 ترعرع أنيس العامري في هذا البيت قبل أن يهاجر إلى أوروبا ويقتل في ميلانو (الجزيرة)

سجن وملاحقة
قضى أنيس عقوبة بالسجن لمدة ثلاث سنوات وثمانية أشهر في إيطاليا لاتهامه بحرق مدرسة للمهاجرين، ثم تحول سنة 2015 إلى ألمانيا طالبا اللجوء، لكن طلبه رفض فبقي يعيش سرا منتحلا عدة جنسيات، الأمر الذي جنبه الترحيل لبلده.

لا يختلف وضع أنيس عن كثير من التونسيين الذين هاجروا إلى أوروبا بحثا عن تحسين حياتهم ثم انضموا لتنظيم الدولة الإسلامية، وبينهم محمد بوهلال الذي قتل العشرات دعسا بشاحنة في مدينة نيس الفرنسية في يوليو/تموز الماضي.

ولا تزال صورة أنيس عالقة في أذهان أبناء حيه الذين يعانون من البطالة وانعدام الاستثمار بمنطقتهم الوسلاتية (140 كلم عن العاصمة) رغم ما تتميز به من مناظر طبيعية وجبال شاهقة ومواقع سياحية ومنتجات فلاحية كالعسل وغيره.

بالقرب من منطقة الحرس (الدرك) الوطني في مدينة الوسلاتية يجلس الشبان عاطف وبرهان وأشرف على حافة الطريق يتحدثون في ما بينهم عن أنيس وأوضاع بلدتهم التي لم تشتهر سوى بارتباط أحد أبنائها بعملية برلين بينما "بقيت منسية بلا تنمية".

المصدر : الجزيرة