عامر.. من عصابات أفغانستان إلى سجن غوانتانامو

السجين السابق في غوانتانامو شاكر عامر يروي قصته للجزيرة نت
السجين السابق في غوانتانامو شاكر عامر يروي قصته للجزيرة نت
غازي كشميم
 
من بريطانيا بدأ مسلسل معاناته عندما قرر الهجرة منها بسبب ما وصفها بالمضايقات العنصرية في بريطانيا ضد المظاهر الإسلامية، وانتقل إلى أفغانستان لتتلقفه أيادي العصابات المسلحة وتسلمه إلى الاستخبارات الأميركية بعد أشهر من التعذيب، لينتهي به الحال في سجن غوانتانامو.

شاكر عامر السعودي المقيم في بريطانيا، سجن في غوانتنامو 14 عاما، وأفرج عنه في أكتوبر/تشرين الأول 2015، حكى للجزيرة نت بداية قصته عندما انتقل عام 2001 إلى أفغانستان بصحبة زوجته الحامل -بريطانية من أصل هندي- وثلاثة من أولاده، وذلك بسبب ما لقيه من عنصرية تجاه المسلمين، بالإضافة إلى صعوبة الحياة المادية هناك بالنسبة له، والرغبة في أن يكون له دور في خدمة المسلمين حيث كان ينشط سياسيا وإغاثيا في مجالات عدة.

ليس شاكر وحده من هاجر من هناك بسبب تلك الأوضاع كما يقول، بل غيره كثير رحلوا خاصة في عامي 1999 و2000 بسبب مضايقات الحكومة والاستخبارات التي كانت تحاول إخراج الناس من بريطانيا، بحسب تعبيره، ولأنه أراد الخروج فلم يجد دولة إلا أفغانستان فاضطر للهجرة إليها.

هاجر إليها في نهاية يوليو/تموز 2001، أي قبل أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 بشهرين، ووقعت تلك الأحداث بينما كان مشغولا بترتيب وضعه المعيشي الجديد وفي طور التعرف على البلد ولغته.

بعد وقوع أحداث 11 سبتمبر جاءت أوامر من حكومة طالبان آنذاك بإخلاء كابل من جميع الأجانب لأنها كانت معرضة للقصف، فأخذ زوجته وأولاده بالسيارة مع صديق آخر وعائلته وبدأ رحلة البحث عن مكان يسكن فيه. في الأثناء بدأت حملة على الأجانب وإلصاق التهم بهم، وكانت تلقى منشورات بالقبض عليهم مقابل مبالغ مالية، وذلك كله بالتزامن مع تهديدات أميركية بضرب أفغانستان، مما اضطره وأسرته للعيش في سيارته نحو شهر، حيث لا أحد يريد أن يغامر ويؤيه.

فكر في الخروج من أفغانستان، لكن الخروج وقتها كان صعبا جدا، فقد كان يحمل جواز سفر سعوديا منتهي الصلاحية، وكان يتنقل بأوراق سفر أخرى، فاضطر لوضع زوجته وأولاده في بيت مؤقت حتى يجد مكانا دائما يؤويهم، وبينما كان يتنقل في أجواء الحرب بحثا عن مكان أرسل صاحب البيت أسرته إلى باكستان خوفا عليهم، ومن تلك اللحظة انقطع التواصل معهم.

شركات أميركية مستفيدة من إبقاء سجن غواتتانامو (الأوروبية)

زريبة حيوانات
لجأ عامر إلى إحدى القرى المجاورة لمنطقة تورا بورا التي كانت تنتمي لمجموعات يونس خالص -أحد قياديي الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفياتي آنذاك- وكان متعاطفا مع العرب، وأصبح شائعا أن الناس تذهب إلى هناك حتى تقاتل مع تنظيم القاعدة في تورا بورا، بينما كانوا مضطرين إلى ذلك.

من تلك القرية كان الأفغان يوزعون الأجانب على مجموعات أفغانية أخرى، وهكذا استمر الحال حتى انتهى به المطاف إلى كهف ثم زريبة حيوانات، كما يقول، في وضع قد لا يدركه الناس ولكن من عاش لحظات الحرب وأجواءها خاصة في أفغانستان يمكن أن يتصور ذلك، حسب تعبيره.

يقول عامر إنه لم يكن أمامه إلا خيار الاستسلام لعناصر تلك المجموعات الأفغانية التي تلقي به حيثما أرادت، وكان كل هدفه أن يخرج من أفغانستان وأن يلتقي أسرته، التي لا يعرف عنها شيئا، في أي مكان.

كانت عمليات التنقل بين المجموعات الأفغانية تتم دون أن يفهموا شيئا عنها حيث اللغة لا تسعفهم في التواصل مع الأفغان، حتى وصل إلى إحدى القرى التي التقى بأميرها ووعده بأن يؤمن له -مع مجموعة أخرى- طريقا للخروج إلى باكستان، ثم مكث فيها نحو شهر إلى أن اقتادتهم مجموعة مسلحة زعمت أنها ستخرجهم إلى باكستان، لكنه عرف فيما بعد أنها خيانة من أصحاب تلك القرية الذين باعوه إلى المجموعة المسلحة بمقابل مادي حصلوا عليه.

يروي عامر أن تلك المجموعة المسلحة انطلقت بهم إلى منطقة جلال أباد، وهي بدورها سلمتهم إلى مجموعة أخرى اعتقلتهم، ثم نقلتهم إلى مستشفى مليء بالجرحى والمصابين الذين كانوا نحو ثلاثين، وفي صفقة ثانية -يقول عامر- "باعونا" جميعا إلى مجموعة يطلق عليهم "المسعوديين"، وهم من جماعة أحمد شاه مسعود التي سيطرت على كابل بعد سقوط حكم طالبان.

تسلمتهم بعدها الاستخبارات الأفغانية وسجنتهم تحت الأرض لتبدأ عمليات الضرب والتعذيب بالحديد والعصي لمدة أسبوعين، طلبوا منه فيها الاعتراف بأنه من أنصار زعيم القاعدة أسامة بن لادن وأنه عمل معه، فاعترف لهم مكرها تحت التعذيب وصوروا اعترافه ذلك بالفيديو.

عامر يقول إنه سيسعى إلى إطلاق سراح جميع السجناء بكل ما يستطيع (الجزيرة نت)

وفي ليلة من الليالي يحكي عامر أنهم نادوا عليه وطلبوا منه التعري ليلبسوه ملابس رياضية خفيفة في شدة البرد، ثم ربطوه بالسلاسل والأقفال، ظن حينها عامر أنه سيعدم، إذ كانوا يقبضون على بعض العرب ويعدمونهم ثم يعلقونهم في شوارع أفغانستان، لكنهم نقلوهم إلى وسط الصحراء وهناك سمع صوت مروحية تقترب أكثر فأكثر حتى فوجئ بسماع صوت جنود أميركيين ليحملوه على متن الطائرة إلى قاعدة بغرام الأميركية في أفغانستان، ليكونوا بذلك أول مجموعة تسلمهم أفغانستان للولايات المتحدة.

التعذيب الأميركي
وما إن انتهت عملية خطفه من قبل المجموعات الأفغانية المسلحة حتى بدأت قصته مع الاستخبارات الأميركية التي لا تقل عنها فظاعة، بل كان يترحم على تعذيب الأفغان بعد أن نال ما ناله على أيدي الأميركيين.

بدأ مسلسل التعذيب الأميركي من وقت خروجه من الطائرة حيث ألقوه على وجهه أرضا وهو مغلول بالسلاسل، وبقي حافيا في العراء مع شدة البرد أكثر من ساعتين من غير أكل ولا شرب حتى شعر بتجمد جسده، ليدخلوه بعدها في قفص بعد أن عروه أمام الجنود، رجالا ونساء.

كان عامر يقف في قفص بالعراء أكثر من 18 ساعة من غير أن يتحرك أو يذهب للخلاء، وحينما سمحوا له بالذهاب إليه بعد 25 يوما لم يستطع أن يقضي حاجته لأنه أصيب بإمساك شديد فكان يتغوط دما، لكن ذلك لم يكن أسوأ ما لقيه، بل إن الجنود وبينهم نساء ينظرون إليه وهم يضحكون ويسخرون منه بأنه رجل لديه العادة الشهرية، وإمعانا في التعذيب رفضوا أن يأتوا له بالدواء.

أدرك عامر بعد جلسات تحقيق مطولة تمتد إلى عشر ساعات ويشارك فيها عشرة محققين، أن الغرض لم يكن التحقيق في ذاته أو الحصول على معلومات بقدر ما هو إذلال نفسي ممنهج، مما مثل له صدمة خاصة وأنه كان يحمل نظرة عن الأميركيين أنهم من بلد حضاري ويحترم حقوق الإنسان.

عامر يقول إن أصنافا من الإهانات النفسية مورست على سجناء غوانتانامو (الأوروبية)

يواصل عامر سرد مسلسل التعذيب الذي كان يتعرض له من قبل الأميركيين حين كانوا لا يدعونه ينام، فمكث تسعة أيام من غير نوم، سبعة منها متواصلة، ثم سنحت له فرصة الإغفاءة لمدة ساعتين بسبب انشغال الحارس الذي كان يقف أمامه بدفعات جديدة من المقبوض عليهم، وقد أنقذت تلك الساعتان حياته بعد الله من الهلوسة، كما يقول.

كان طعام عامر عبارة عن قطعة لحم متجمدة كل يوم رغم أنه لا يأكل اللحم، أما الشراب فعبارة عن قارورة ماء متجمدة لا يستطيع أحد أن يشربها وإنما يمص الثلج مصا.

نقل بعد أيام من التعذيب إلى قاعدة في قندهار مورست معه فيها ذات الممارسات التعذيبية في قاعدة بغرام، ومنها نقل إلى غوانتانامو حيث لقي أنواعا من التعذيب النفسي أكثر من الجسدي، وهناك حكايات وقصص لا تنتهي كما يروي عامر.

يصفهم فيقول "وقعنا في أيدي وحوش وليسوا بشرا، كانوا يعروننا أمام الجميع ويحلقون لنا أجسامنا حتى حواجبنا، ويرشون علينا المبيدات الحشرية، وكل ذلك من غير سبب واضح سوى الإمعان في الإهانة والمذلة".

حيلة نفسية
من التجربة الشخصية الخاصة بعامر، أنهم وضعوه في صورة شخص له وزنه وثقله وله علاقات كثيرة وبمستوى عال، فاستخدموا معه أسلوب "صناعة الرجال" حيث يشعرونه بأنه شخصية غير عادية، وأطلقوا عليه لقب "البروفيسور" الذي لديه قدر كبير من المعرفة والثقافة، وكل ذلك حتى يشعروا الجمهور الخارجي بأنهم قبضوا على شخصيات كبيرة وذات أهمية بالغة وبأنهم أخطر شخصيات قبض عليها من القاعدة.

ولأنه متحدث بطلاقة ولديه القدرة على تجييش الآخرين -كما يقول- فقد عزلوه في زنزانة انفرادية. كما أنهم كانوا يستخدمونه عندما تثور حالات شغب في السجن فيرسلونه إلى بعض السجناء حتى تهدأ الأوضاع، وكان السجناء بطبيعتهم عندما يجتمعون تهدأ نفوسهم وينشغلون مع بعضهم.

سلطات السجن كانت تحلق للسجناء حواجبهم وترش عليهم المبيدات الحشرية (ناشطون)

وكان أكثر ما يشغل السجين 239 في سجن غوانتانامو هو كيف يطبق قانون جنيف لحقوق الإنسان في السجن حتى يستطيع أن يحاججهم به، وقد اطلع على الكتاب الذي يحوي ذلك القانون ثلاث مرات عن طريق منظمة الصليب الأحمر التي لها أياد سود على المسلمين، كما يعتقد عامر.

ويشرح ذلك فيقول إنهم كانوا يأتون إليهم عند تسجيل أسمائهم ويجبرونهم على رفع الورقة التي بها الصليب حتى يصورونهم بها، وإذا رفض أحد ذلك يحرم من المساعدات المختلفة.

الأخطر من ذلك -كما يروي عامر- أنهم يأتون بحجة التعرف عليك وإبلاغ أهلك وذويك بوضعك، لكن في حقيقة الأمر كانوا بطريقة غير مباشرة يأخذون معلومات عن أهلك وعن أشخاص آخرين بحجة الرغبة في مساعدتهم، وكثير من العوائل والأشخاص قبض عليهم عن طريق منظمة الصليب الأحمر، بل كانوا يشاركون في التحقيق مع سلطات السجن.

ورغم الإهانات النفسية التي كان يتعرض لها عامر، فإنه لم يخضع لتلك الإهانات، وكان يسعى لأن يحصل على معاملة إنسانية من قبل سلطات السجن، كما كان يسعى لأن تنال الشعائر الدينية التقدير والاحترام، بالإضافة إلى سعيه للحصول على معاملة وفق اتفاقيات حقوق الإنسان، ثم تبيان قضيته التي سجن من أجلها من دون أي تهمة.

وإلى جانب ذلك كان يقوم عامر بتسجيل القصص والحوادث اليومية وعمل دراسات وإحصائيات عن الأمراض التي تحصل للسجناء بحكم عمله السابق ممرضا في أحد المستشفيات العسكرية.

من ضمن الغرائب التي حصلت لعامر، أنه لم يُسأل في غوانتانامو عن أي شيء يخص الولايات المتحدة أو أحداث 11 سبتمبر ولا حتى عن أسامة بن لادن، وكل ما اعتمدوا عليه هو ذلك التصوير الذي صوّر له باعتراف تحت الإكراه في أفغانستان، ومن ثم لم يفتح ملفه مرة أخرى حتى لا تتغير أقواله.

بل الأدهى من ذلك أن الأشخاص الذين لهم علاقة مباشرة مع القاعدة خرجوا مبكرا من السجن وذلك باتفاقيات مع سلطات السجن على أن يعترفوا بأن لهم علاقة مباشرة ببن لادن ويحكم عليهم بالسجن لمدة محددة ثم يطلق سراحهم مثل السائق الخاص لبن لادن، وهذا هو نظام القضاء الأميركي الذي يصفه عامر بـ"الفاشل" الذي يعفي من يعترف بجريمته بعد أن يمضي سنوات محددة بينما من لا يعترف لأنه ليست لديه تهمة أصلا يبقى في السجن من غير محاكمة عادلة.

ويتساءل عامر الذي اتهم بأنه عضو في القاعدة وموّلها بالسلاح ومؤسس خلية في بريطانيا، بالإضافة إلى عمله مترجما خاصا لبن لادن، هل يعقل أن يستمر تحقيق لمدة 14 عاما ولا يخرجون بنتيجة؟ مما يثبت أن إدارة السجن والمستفيدين منه يحاولون إقناع الحكومة الأميركية والاستخبارات بأن الأشخاص الموجودين خطرون ويجب إبقاؤهم في السجن واستمرار التحقيق معهم.

ويؤكد عامر أن بريطانيا لم تسع إلى الإفراج عنه، بل شاركت في تبادل معلومات مغلوطة مع الأميركيين وساهمت في التحقيق معه رغم أنها تعرف كل المعلومات الخاصة به وبتحركاته، لكن في نهاية المطاف مورست ضغوط على الحكومة البريطانية بسبب تسليط الإعلام الضوء على قضيته كون زوجته بريطانية أساسا، بالإضافة إلى القضايا التي رفعت ضد الحكومة والاستخبارات البريطانية.

ويحكي عن المستفيدين من سجن غوانتانامو رغم سوء سمعته الإعلامية وما سببه للولايات المتحدة من حرج عالمي، فيشير إلى شركات تابعة لأعضاء بالكونغرس مستفيدة من تشغيل السجن بمئات الملايين، كعقد شركات الطعام مثلا الذي تم لتمويل أكثر من ثمانمئة سجين بينما السجناء الحقيقيون هم أقل من ذلك بكثير، إضافة إلى أن الطعام غاية في السوء، هذا على مستوى الطعام فقط وهناك شركات للدعم اللوجستي عديدة.

الآن وبعد أن خرج من جحيم غوانتانامو، فإن عامرا يؤكد أنه ليست لديه نية في مقاضاة السلطات الأميركية لأن ذلك لن ينتهي إلى حل، وستنصب أولوياته في محاولة إطلاق باقي السجناء بأي طريقة كانت وبكل ما يستطيع سواء عن طريق الإعلام أو التحرك بشتى الطرق.

لكن عامرا ليس نادما مطلقا على هجرته إلى أفغانستان رغم ما تسببت فيه تلك الهجرة من معاناة، بل إنه يحمل لها ولأهلها حبا كبيرا وتقديرا خالصا، وهو إذ يعيش الآن في بريطانيا التي سعت للإفراج عنه في عهد رئيس الوزراء السابق ديفد كاميرون بعد أن تورطت في معاناته زمن رئيس الوزراء الأسبق توني بلير، إلا أنه ينوي أيضا الهجرة منها ثانية وكله أمل أن لا تتكرر مأساته الأولى بأي شكل من الأشكال.

المصدر : الجزيرة