التسوية أم محاربة الفساد.. عام آخر من الصراع العراقي

أنصار التيار الصدري أثناء مظاهرة سابقة بالعاصمة بغداد (الجزيرة)
أنصار التيار الصدري أثناء مظاهرة سابقة بالعاصمة بغداد (الجزيرة)

  محمد أفزاز-الجزيرة نت

عام آخر من عمر الأزمة العراقية ينقضي دون أن تتلمس بلاد الرافدين طريقها نحو حل مشاكلها السياسية وتداعياتها الأمنية، فلا رؤية الإصلاح التي أطلقتها رئاسة الحكومة تمردت على الأوراق وعانقت الواقع فاحتوت الاحتجاجات، ولا القوى السياسية احتكمت إلى منطق المصلحة العامة بعيدا عن الطائفية وصب مزيد من الزيت على نار الشقاقات، ولا هي بلورت مشروعا وطنيا يقطع مع سياسة المحاور الإقليمية.

بيد أن ضوء أمل يبدو أنه قد اخترق عتمة هذا الصراع بعد طرح عمار الحكيم وثيقة جديدة للتسوية حظيت بدعم أممي ودولي، وإن كانت هي الأخرى غير مضمونة النتائج، برأي عدد من المحللين.

يقول رئيس مركز التفكير السياسي العراقي إحسان الشمري إن الوضع السياسي في العراق كان مأزوما منذ البداية، حيث وضعت أغلب الأحزاب عراقيل أمام مشروع الإصلاح الذي تقدم به رئيس الوزراء حيدر العبادي بغرض محاربة الفساد وتقييم العملية السياسية، وفق معايير تبعد منطق المحاصّة والطائفية وتعترف بالكفاءة.

ويضيف في حديث للجزيرة نت أن عددا من القوى السياسية أطلقت بالموازاة شعارات إصلاحية لاقتناص الرصيد السياسي من قوى أخرى، وعينها على الاستحقاقات المقبلة.

الشمري: وثيقة التسوية لن تذهب بعيدا (الجزيرة)

تخوفات
ويؤكد الشمري أن معظم الأحزاب متورطة في الفساد وهدر المال، لذلك حركت آلتها لمنع الطريق أمام مشروع العبادي، خشية من تقديم رموزها إلى القضاء، ومخافة تراجع بالمشهد السياسي.

ويؤكد أن العبادي عول كثيرا على الزخم الشعبي لدعم مشروعه، لكن اختراقات عدد من القوى للمظاهرات المطالبة بمحاربة الفساد وإفراغها من مضمونها أثرت على مسار هذا المشروع.

ويعبر الشمري عن اعتقاده بأن وثيقة التسوية التاريخية التي تقدم بها رئيس التحالف الوطني (الشيعي) عمار الحكيم لن تذهب بعيدا في حل المشاكل السياسية والأمنية التي تتخبط فيها البلاد.

ويرجع إمكانية فشل هذه الوثيقة إلى الرفض الذي عبرت عنه قوى سياسية من داخل البيت الشيعي نفسه، وتقديم الطرف السني مبادرات بديلة، وتجاهل الوثيقة لمصالح الشعب، فضلا عن عدم اكتراث الأكراد بما يقع بين الطرفين السني والشيعي.

الموقف ذاته عبر عنه أستاذ الاتصال الجماهيري في جامعة الفرابي كاظم المقدادي الذي يرى أن وثيقة عمار الحكيم ستذهب أدراج الرياح مثل أخوات لها طرحت سابقا.

ويقول "لا توجد هناك حدود دنيا للتفاهم الوطني في ظل تأثير إقليمي وعالمي على الداخل العراقي، مما أفقد القوى السياسية والدولة استقلالية قرارهما، لذلك لن تنجح هذه الوثيقة".

التأثير الإيراني
ويشير المقدادي إلى أن زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي يرغب في إبعاد أي تسوية مع البعثيين، بينما تريد وثيقة الحكيم ترك خطوط مفتوحة مع هؤلاء.

ويلفت إلى التأثير الإيراني الكبير الذي يضغط باتجاه عرقلة أي مصالحة ممكنة مع حزب البعث.

 المقدادي: مشروع الإصلاح يراوح مكانه (الجزيرة)

ويذهب إلى أن في تقوية النفوذ الإيراني على حساب النفوذين التركي والسعودي مؤشرا آخر على ارتهان حل المشاكل العراقية إلى الضغوط الإقليمية، في ظل غياب مشروع وطني للخروج من الأزمة السياسية.

ويوضح أن تعمق الخلاف داخل المعسكر الشيعي نفسه مدعوما بخلاف شيعي سني وكردي يؤشر على فشل محتمل لوثيقة التسوية.

ويعبر المقدادي عن اعتقاده بأن مشروع الإصلاح الذي طرحه العبادي لا يزال يراوح مكانه لأسباب يتعلق بعضها بوجود رفض داخل حزب الدعوة الإسلامي نفسه، والبعض الآخر بالخلافات العميقة بين القوى السياسية.

كوابح
بالمقابل، يعتبر المحلل السياسي جاسم الموسوي أن أهم ما ميز العام 2016 هو وثيقة التسوية الوطنية التي طرحها عمار الحكيم في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بجانب تفاعلات مشروع الإصلاح الذي جاء به العبادي.

ويقول للجزيرة نت إن مشروع الإصلاح واجه كوابح عديدة، لعل من أبرزها عدم قدرة العبادي على تنفيذ رؤيته البراغماتية المستندة إلى مبدأ الكفاءة في التنصيب للمسؤوليات بعيدا عن الطائفية والمحاصّة، وهو ما جعل الشارع العراقي يدير ظهره لهذه الإصلاحات كونها ظلت على الورق.

ويلفت إلى أن الشارع العراقي بات مهتما بالاستقرار والسلام وتكريس التسامح والقبول بالآخر وجسر الهوة بين السنة والشيعة أكثر من اهتمامه بتصحيح المسارات الخاطئة في الإدارات كما تروم رؤية العبادي.

الموسوي: الاستقرار بالعراق يحتاج إلى تنازلات من كل الأطراف (الجزيرة)

وبدا الموسوي مقتنعا بوجود فرص كبيرة لنجاح وثيقة التسوية في جمع شتات العراقيين سنة وشيعة وأكرادا وبعثيين وحقن الدماء.

وربط ذلك بالعلاقات المتينة التي ينسجها عمار الحكيم في الداخل والخارج -حسب اعتقاده- ومستوى الدعم الكبير الذي تلقته هذه الوثيقة سواء من إيران أو واشنطن أو دول إقليمية، ورغبة العراقيين في إنهاء 13 سنة من الصراع.

ويشير إلى أن تحقيق الاستقرار في العراق يحتاج إلى تنازلات من كل الأطراف، محذرا من أن عدم نجاح هذه المبادرة سيفتح العراق على خيار التقسيم الجغرافي بلغة الدم.

ويقول إذا نجحت التسوية فإن جميع الملفات التي اعتاشت على الأزمات في العراق سيتم تفكيكها، خاصة ما يتعلق بإدارة الفساد المالي والإداري الذي تقوده بعض مافيات الأحزاب، وفق تعبيره.

المصدر : الجزيرة