شهادات صادمة لضحايا الدكتاتورية بتونس

بعض الحاضرين انفجر بكاء بسبب شهادات من تعرضوا للتعذيب (الجزيرة)
بعض الحاضرين انفجر بكاء بسبب شهادات من تعرضوا للتعذيب (الجزيرة)

خميس بن بريك-تونس

أثارت جلسات الاستماع لضحايا الانتهاكات والتعذيب في تونس عواطف الحاضرين الذين انفجر بعضهم بكاء من قسوة أساليب نزع الاعترافات التي مورست أساسا ضد ناشطين إسلاميين ويساريين.

وعقب دفعة أولى من الجلسات قبل أسابيع، نظمت هيئة الحقيقة والكرامة المشرفة على مسار العدالة الانتقالية يومي الجمعة والسبت الماضيين جلسات ثانية تزامنا مع ذكرى اندلاع الثورة (17 ديسمبر/كانون الأول).

السجينة السابقة محرزية بن عابد اختارت أن تخرق حاجز الصمت وتتحدث بشجاعة عن إجهاضها والتحرش بها وتعذيبها في وزارة الداخلية بسبب رفضها نزع الحجاب وانتمائها السياسي إلى حركة النهضة الإسلامية ضد حكم نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي في بداية التسعينيات.

تقول هذه الضحية إنها فصلت عن عملها وتعرضت لشتى أنواع العذاب في أحد طوابق وزارة الداخلية حتى أجهضت جنينها، في حين تعرض أهلها لمضايقات تسببت -كما قالت- في وفاة والدتها.

خنقتها الدموع
كانت شهادة محرزية التي خنقتها الدموع مدوية أمام الحاضرين. فقد تحدثت عن ضرب مبرح وتنكيل وتعذيب بأسلاك كهربائية وتعليق بالسلاسل وتغطيس للرأس في وعاء به قاذورات وتعذيب للمساجين الذكور أمام عينيها بدهاليز وزارة الداخلية.

أعضاء هيئة الحقيقة والكرامة برئاسة سهام بن سدرين (الثانية من اليسار) (الجزيرة)

وبينما خيم الصمت على جلسة الاستماع التي بثت مباشرة عبر شاشات التلفزيون المحلية، تتالت شهادات ضحايا الاستبداد، ولم يجد بعض الحاضرين سوى مسك رؤوسهم من فرط ما اجتاحهم من مشاعر مؤلمة بسبب هذه الشهادات الصادمة.

وفي القاعة التي احتضنت جلسات الاستماع، يمسك أهالي بعض الضحايا صور أبنائهم الذين قتلوا تحت التعذيب أو خلال عمليات قنص استهدفتهم خلال مشاركتهم في الاحتجاجات ضد نظام بن علي أو في احتجاجات ضد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة.

قضية العسكريين
من بين الانتهاكات الأخرى التي هزت مشاعر الحاضرين ما تعرض له الضابط العسكري المتقاعد سالم كردون، الذي اتهمه نظام بن علي بالتخطيط مع مجموعة من الضباط لقلب النظام في التسعينيات، حيث تم تعذيبه في وزارة الداخلية إلى درجة أنه تمنى الموت، حسب قوله.

يقول هذا العسكري الذي قضى ثلاث سنوات سجينا قبل أن يخلى سبيله مع مجموعة من الضباط فيما تعرف بمجموعة "براكة الساحل"، إن التعذيب الذي تعرض له تسبب له في ثقب بالمعدة وقصور كلوي حاد، كما أصبح غير قادر على الإنجاب بسبب تضرر خصيتيه جراء الضرب المبرح، إلى جانب اضطرابات نفسية ألمّت به.

وقد عرضت بقية الشهادات تعرض الناشط النقابي فاضل ساسي إلى جريمة قنص بالرصاص خلال أحداث الخبز التي انفجرت عام 1984 خلال حكم بورقيبة، كما تعرضت إلى مقتل بعض الشبان المحتجين في الثورة بواسطة قناصة وهم يقين القرمازي ومروان الجملي ومحمد جابل.

شهادات متنوعة
وتطرقت بعض الشهادات أيضا إلى قضايا الفساد المالي زمن بن علي، حيث كشف الضحية أحمد بن مصطفى السفير المفوض بوزارة الخارجية سابقا عن إقالته من منصبه والزج به في السجن ستة أعوام بسبب رفضه التستر على تهريب عملة صعبة لفائدة شقيقة ليلى الطرابلسي زوجة بن علي.

تأثير الشهادات كان صادما على بعض الحاضرين لجلسات الاستماع (الجزيرة)

وعن مزايا جلسات الاستماع في الكشف عن الحقائق، يقول رئيس التنسيقية الوطنية للعدالة الانتقالية عمر الصفراوي إن هناك "تقدما محمودا" في تفعيل العدالة الانتقالية برد الاعتبار للضحايا عبر تمكينهم من فضحهم للممارسات الوحشية التي تعرضوا لها، وهو ما سيساعد على عدم تكرار تلك التجاوزات.

ويضيف الصفراوي للجزيرة نت أن جلسات الاستماع عرت بشاعة الأنظمة الدكتاتورية التي انتهجت شتى أساليب التعذيب والترويع، مشيرا إلى أن الجلسات مكنت التونسيين من معرفة جزء من الحقيقة حول تاريخ حكامهم في انتظار تنظيم جلسات استماع خاصة بالجلادين المتهمين بارتكاب الانتهاكات حتى تكتمل الصورة ولا تكون العدالة الانتقالية منقوصة.

المصدر : الجزيرة