بلال كايد.. أسطورة الإضراب والعزل بسجون الاحتلال

عاطف دغلس-نابلس

أي فرحة كانت ستعيشها الحاجة الستينية رهيبة كايد (أم نجم) أكثر من رؤية نجلها الأسير محررا، بعد أن خيَّب الاحتلال الإسرائيلي أملها في المرة الأولى قبل ستة أشهر حين حوّله للاعتقال الإداري رغم انتهاء محكوميته بالسجن.
 
وعند حاجز جبارة وسط الضفة الغربية اختلف المشهد بالأمس القريب عند معبر الظاهرية جنوب الضفة حيث يُطلق الاحتلال سراح الأسرى الفلسطينيين، ففي هذه المرة حضرت رهيبة لتعيش لحظة انتظرتها سنوات طويلة لتضم "طفلها المدلل" إلى صدرها وتطفئ نار شوقها وصبرها.
 
"ثمان ساعات من الانتظار والتوتر أدخلتني في حالة هستيرية جعلتني قبَّلتُ أسيرا آخر ظننت أنه بلال"، تقول رهيبة وهي تستقبل المهنئين بالإفراج عن ولدها في قاعة المجلس القروي في بلدتها عصيرة الشمالية قرب مدينة نابلس شمال الضفة الغربية.
 
ولم يصدق هو الآخر أنه بات خارج القضبان، وأن من تركهم أطفالا صغارا من أقربائه وأهالي قريته غدوا شبانا يافعين وخشنت أصواتهم ودخلوا مرحلة الرجولة، فأخذ يصافحهم ويعانقهم معتقدا أنهم أبناء شقيقاته، حتى أولئك الذين جاؤوا لتهنئته كانوا يُعرِّفون بأنفسهم.
اعتصام للتضامن مع الأسير كايد داخل خيمة وسط مدينة نابلس قبل عدة أشهر (الجزيرة)

مُر الألم
في يونيو/حزيران الماضي تأجل موعد الإفراج عن الأسير بلال كايد (35 عاما) بعد أن حوَّله الاحتلال كما هي سياساته بالتنغيص على الأسرى للاعتقال الإداري تحت طائلة الملف السري الذي لا يعرف السجين فيه موعد الإفراج والتهم الموجهة ضده.

ولم يتأخر رد بلال على صلف الاحتلال فأعلن بذات المحكمة (عوفر) التي مددت اعتقاله إضرابه المفتوح عن الطعام ورفض التعاطي مع المحاكم الإسرائيلية.

يقول بلال إن كل المؤشرات كانت توحي بالإفراج عنه، وأخبره ضابط السجن بذلك وأخذوا مقتنياته وهيؤوه للرحيل، "لكنه كان الترحيل لمحكمة عوفر وتمديد اعتقالي هناك".

بهذا الإضراب قرع بلال "جدران الخزان" وأعلن للعالم ظلما يعانيه الأسرى بسجون إسرائيل التي تجاوزت كافة القوانين الدولية والمحلية في معاقبتهم وانتهاك حقوقهم، فقد شكّل اعتقاله الإداري سابقة خطيرة تُشرع للاحتلال زيادة القمع والتنكيل.

"فوق الاعتقال الإداري كان الاحتلال يعاقبني بالعزل الانفرادي لسنة كاملة  لتمثيل الأسرى والدفاع عنهم" يقول بلال، ولم يسمح لذويه بزيارته بذريعة الرفض الأمني وحرم والده المريض الذي رحل وهو يتمنى رؤيته، ورفضوا السماح له للاتصال بأهله لتعزيتهم أو حتى تنظيم العزاء بالسجن.

وإمعانا في مسلسل المعاناة اليومية للأسرى، تضاعفت مأساة بلال بعد أن تجاوز بإضرابه سبعين يوما، تهالك فيها الجسد وخارت قواه وصار الموت قاب قوسين أو أدنى، وزاد الطين بلة حرقة الأهل ومشهد "الموت اليومي" الذي عاشوا لحظاته في خيمة أقيمت وسط مدينة نابلس اعتصموا فيها وسط مدينة نابلس طوال فترة الإضراب.

بلال كايد محمولا على الأكتاف عقب الإفراج عنه (الجزيرة)

معارك الأمعاء
وشكّل الإضراب لبلال ونحو 7000 أسير فلسطيني وسيلة للذود عن كرامتهم، ويقول إنه سلاح الأسرى الأخير لينالوا مطالبهم، ولا سيما أنه يحتاج لقرار صعب من الأسير وذويه ورفاقه بالمعتقل.

وخاض نحو 140 أسيرا فلسطينيا معارك "الأمعاء الخاوية" بشكل فردي منذ إضراب الشيخ خضر عدنان الشهير عام 2012، وانتزعوا فيها حريتهم وحقوقهم، وتلا ذلك إضرابان للأسرى الإداريين عام 2014 والآخر لأسرى الجبهة الشعبية تضامنا مع رفيقهم بلال كايد.

وكانت تلك الإضرابات "مطلبية وحقوقية"، يقول بلال، ويضيف أن الأسرى لجؤوا للإضرابات الفردية بسبب غياب الظروف الملائمة لقرار عام داخل السجون، لكنها ورغم ذلك جعلت الاحتلال صاغرا ومنصاعا لإرادتهم.

لذلك يحتاج الأسرى لتفعيل إضراباتهم لحاضنة داخلية منهم أنفسهم تكرس إنجازاتهم وتراكم عليها، وخارجيا يطالبون القيادة بكل أطرها بدعم يرتقي إلى مستوى تضحياتهم.

حتى الحاجة رهيبة كانت تشعر وهي تستقبل المهنئين بسلامة ابنها على ألحان أغانيّ أعدت خصيصا له بخذلان هذه القيادة، ولم تسلّم منذ البداية، فهددت القاضي الإسرائيلي بقتله بعقر محكمته إن جرى لابنها مكروه.

المصدر : الجزيرة