جدل متصاعد بتونس إزاء عودة المقاتلين

أحد المقاتلين التونسيين في فيديو بثه تنظيم الدولة (الجزيرة-أرشيف)
أحد المقاتلين التونسيين في فيديو بثه تنظيم الدولة (الجزيرة-أرشيف)

خميس بن بريك-تونس

يجمع مراقبون في تونس على غياب خطة واضحة للتعامل مع عودة المقاتلين التونسيين من بؤر التوتر عقب تضييق الخناق على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا وليبيا، في وقت تناقضت فيه تصريحات الرئيس الباجي قايد السبسي بشأن إدارة هذا الملف.

وكان السبسي أكد أن بلاده "لن تضع جميع العائدين من بؤر التوتر في السجون" ما أثار ردود فعل غاضبة حتى لدى مؤيديه، ما جعله يستدرك بتصريحات متناقضة رفض فيها العفو عنهم.

بشأن هذا التضارب، يقول القيادي في حركة النهضة محمد القوماني إنه لا يختلف مع موقف الرئيس بشأن حق عودة كل تونسي إلى بلده مهما ارتكب من جرائم، كما ينص على ذلك الدستور، مشددا على ضرورة أن تتهيأ البلاد لعودتهم بالشكل المطلوب.

ويرى القوماني -في حديثه للجزيرة- أن الضغط الإعلامي دفع مستشاري الرئيس لتعديل موقفه، مستبعدا أن تكون لتلك التصريحات أية تداعيات سلبية على التحالفات السياسية لا سيما مع حركة النهضة التي "لها مواقف متقاربة" مع حزب نداء تونس.

ويكمن المشكل -وفق رأيه- في عدم تهيؤ البلاد بالقدر الكافي للتعامل مع عودة المقاتلين عبر إخضاعهم لمسارات أمنية وقضائية وتأهيلية، رغم أن تونس لديها خبرة مع مقاتلين سابقين عادوا من معتقل غوانتانامو أو أفغانستان أو العراق "ثم التحق بعضهم بحركات مسلحة".

خبط عشواء
من جهته يعتبر القيادي بالتيار الشعبي محسن النابتي أن تونس "تخبط خبط عشواء" فيما يتعلق بمكافحة "الإرهاب" منتقدا "غياب" الإرادة السياسية لتنظيم مؤتمر حول "الإرهاب" يضع الخطط المناسبة "بسبب رفض أطراف في الحكومة تحديد المسؤوليات بشأن تفشي الإرهاب".
 

النابتي: تونس تخبط خبط عشواء فيما يتعلق بمكافحة "الإرهاب" (الجزيرة)

ويقول للجزيرة نت إن "هناك تفاهمات سياسية بين السبسي ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي قصد تمرير مشروع قانون المصالحة الاقتصادية للعفو عن رجال أعمال متهمين بالفساد مقابل تمرير قانون يفتح الباب أمام العفو عن المقاتلين".

وأكد أن غياب خطة تقي من خطر "الإرهاب" وعودة المقاتلين سيكون له تبعات خطيرة على أمن البلاد، مشددا على ضرورة التعامل بطريقة صارمة مع عودة المقاتلين من خلال محاسبتهم، إلى جانب وضع خطة تأهيل شاملة في عدة فضاءات كالسجون لنبذ التطرف.

ترضيات سياسية
من جانبه، يرى الخبير بالجماعات الإسلامية علية العلاني أنه بقطع النظر عن نجاعة المؤسستين الأمنية والعسكرية فإن "السياسيين في السلطة لا يملكون أية استراتيجية واضحة لمعالجة الإرهاب" مشيرا إلى أن أداءهم بهذا الملف "يخضع لمنطق الترضيات السياسية".

ويقول للجزيرة نت إن الحل الأمثل للتعامل مع عودة المقاتلين يتمثل في وضعهم بمراكز إيقاف خاصة بعيدا عن سجناء الحق العام قبل أن يتم التدقيق معهم حول كيفية سفرهم، والأطراف التي وقفت وراء تسفيرهم، والفصائل التي قاتلوا معها، والأعمال التي ارتكبوها ليصنفوا وفق درجة خطورتهم.

وتتم بعدها -وفق العلاني- محاكمتهم طبقا لقانون مكافحة "الإرهاب" وفق الجرائم المرتكبة قبل أن تبدأ معهم عملية التأهيل ومراجعة المفاهيم التي تبنوها مثل التكفير والجهاد والخلافة بالاعتماد على خبراء وباحثين في علم الاجتماع والإجرام والقانون وفقهاء مستقلين.

العلاني: سياسيو السلطة لا يملكون أية إستراتيجية واضحة لمعالجة "الإرهاب" (الجزيرة)

ويرى العلاني أنه من الضروري متابعة العائدين المفرج عنهم بعد قضاء نصف عقوبتهم على الأقل بالمجتمع، مع توفير الإحاطة بهم اقتصاديا عبر مساعدتهم على إحداث مشاريع صغرى تقهم من مخاطر الاستقطاب من الفكر المتطرف إلى جانب تنبيههم من تسليط أشد العقوبة عليهم في حال العودة.

عقاب جماعي
وفي السياق ذاته، يعتبر رئيس مرصد الحقوق والحريات المحامي أنور أولاد علي أنه لا يوجد أي إطار تشريعي للتعامل مع عودة المقاتلين سواء بطريقة شرعية أو عبر اختراق الحدود. يُشار إلى أن بعض المصادر الإعلامية تحدثت عن عودة ستمئة مقاتل مؤخرا من بين نحو ثلاثة آلاف خارج البلاد.

وفي حديثه للجزيرة نت، دعا أولاد علي إلى التفكير مليا في ضبط مخطط يضمن شروط المحاكمة العادلة حالة بحالة، ويتيح الفرصة لإعادة تأهيل العائدين على المستوى الديني والثقافي والاجتماعي حتى يتم انتشالهم من التطرف. 

وقال أيضا إن السلطات تنتهج سياسة "العقاب الجماعي" في مكافحة "الإرهاب" بسبب منع العديد من المواطنين من السفر أو التنقل داخل البلاد تحت ذريعة الاشتباه بانتمائهم لمجموعات إرهابية، وفق تعبيره.

المصدر : الجزيرة