محمد عماري: الاتفاق الليبي تعرض لعراقيل كثيرة

عماري: التنظيمات الإرهابية فرت من سرت وموجودة في جبال وأودية ومناطق صحراوية جنوبية محيطة بالمدينة (الجزيرة)
عماري: التنظيمات الإرهابية فرت من سرت وموجودة في جبال وأودية ومناطق صحراوية جنوبية محيطة بالمدينة (الجزيرة)

حاورته/وديان عبد الوهاب-طرابلس

مع قرب مرور عام على توقيع الاتفاق السياسي الليبي وفي وقت تعاني فيه المرحلة الانتقالية السياسية في ليبيا توترات سياسية وأخرى أمنية، تسعى حكومة الوفاق إلى تشكيل الحرس الرئاسي كأحد استحقاقات الاتفاق السياسي في مساره الأمني.

وتعد هزيمة تنظيم الدولة على يد قوات البنيان المرصوص المدعومة من حكومة الوفاق أحد أبرز المكاسب التي تحققت، إلا أن عدم الالتزام بتطبيق الاتفاق السياسي المدعوم من الأمم المتحدة يحول دون تحقيق الاستقرار السياسي والمؤسساتي.

هذه النقاط وغيرها تحدث عنها عضو المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني محمد عماري زايد في الحوار التالي مع الجزيرة نت:

 بعد مرور قرابة عام على توقيع الاتفاق السياسي ما مصيره في ظل ما يمكن أن نصفه بالانسداد الحاصل في أفق المشهد السياسي الليبي؟
لا يوجد أي نص في الاتفاق السياسي يتحدث عن تحديد مهلة ينتهي فيها عمل الحكومة، بل ما جاء في الاتفاق السياسي هو أن عمر الحكومة عام قابل للتمديد إلى عامين بعد منح الثقة من مجلس النواب.

ثم إن الاتفاق السياسي تعرض لعراقيل عدة أبرزها مطالبة بعض أعضاء مجلس النواب، وعلى رأسهم رئيس المجلس عقيلة صالح المتكررة بتعديل نصوص الاتفاق السياسي حتى وصلنا إلى المسودة الثامنة والأخيرة التي وُقعت، وبعد التوقيع ما زالوا يطالبون بإدخال تعديلات وهم مسؤولون مسؤولية كاملة عن تأخر تطبيق الاتفاق السياسي.

هناك تحد آخر هو المسار الأمني والعسكري الذي تأخر كثيرا فبعثة الأمم المتحدة لم تلتزم بجمع الأطراف العسكرية والأمنية في اجتماع شهري حتى يكتمل تطبيق البنود الأمنية منه وللأسف فإن الترتيبات الأمنية أصبحت تستخدم للابتزاز في التعامل مع الحكومة وكشرط للدخول للاتفاق السياسي، والهدف من ذلك هو إقصاء أطراف شاركت في الحوار السياسي وإحلال أطراف أخرى حتى تحل محلها بالتالي تبديل المعادلة على الأرض وفرض واقع أمني وعسكري جديد.

بل ذهب الأمر بوصف كل من لا يلتزم بهذه الترتيبات بأنه "مليشيا" وبأنه "إرهابي" رغم أن الداعمين للاتفاق السياسي من المجلس الرئاسي وخارجه ومن النخب السياسية موجودون على الأرض ومستعدون للدخول في الترتيبات الأمنية وفق خطة واضحة تضمن لهم حقوقهم وتجعلهم جزءا من الدولة الجديدة ومؤسساتها.

عماري: معظم قوات البنيان المرصوص شاركت في حرب التحرير عام 2011 واكتسبت مهارة قتالية غير عادية في مواجهة كتائب القذافي  (الجزيرة)

 هل هناك أي خيارات إقليمية أو دولية طرحت أمامكم فيما يتعلق بمعالجة مسودة الاتفاق بفتحها من جديد لتعديل بعض المواد أو إلغاء مواد أخرى؟
مسألة المطالبة بتعديل نصوص الاتفاق السياسي رافقت عملية الاتفاق منذ بدايتها، وقبلنا هذا الأمر أثناء فترة التفاوض، لكن بعد التوقيع والبدء في تنفيذ الاتفاق السياسي أعتقد أنه لا يمكن القبول بفتح الموضوع بعد دخوله حيّز التنفيذ.

هناك آلية واضحة داخل الاتفاق السياسي تسمح بالتعديل وهو ما جاء في المادة 12 التي تنص على أن "من يعدل هذا الاتفاق هما الطرفان الرئيسيان الممثلان في مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة".

لكن للأسف الشديد أصبحت كثير من الأطراف تتعامل مع الحل السياسي بمزاجية، فأحيانا يريدونه حلا سياسيا، وأحيانا أخرى يقولون لابد أن يأخذ شكلا قانونيا بإدخاله في الإعلان الدستوري، ونحن نقبل بهذا الأمر لكن لا نقبله بمزاجية، وأصبحت مسألة التعديل الدستوري سلاحا يستخدم كشرط ويستخدم كأداة ضاغطة لتغيير الاتفاق.

الاتفاق هو المبادرة الوحيدة التي يرعاها ويعترف بها المجتمع الدولي ويعترف بمؤسساتها، فالدول الكبرى في تعاملها مع الملف الليبي تتحرك وفق مصالحها والاتفاق السياسي يخدم هذه المصالح.

وفي فترة الحوار السياسي حصل توازن بين هذه الدول في التعامل مع الملف الليبي سواء أكان بين روسيا من ناحية والصين والمنظومة الغربية من ناحية أخرى ممثلة في الدول الست التي حرصت أن يكون لديها موقف واضح فحصل اتفاق بينهم يتعلق بالملف الليبي وأنه لا بد من وجود مؤسسات معترف بها دوليا وفق الاتفاق السياسي حتى يتعامل العالم مع هذه المؤسسات.

إذا فتح باب التعديل يفتح للجميع حتى لا يصبح الاتفاق عرضة للتعديل في أي لحظة، وما الضامن أن يكون هذا التعديل هو آخر تعديل ونلتزم به جميعا حتى ننهي المرحلة الانتقالية؟ وألا يصبح عرضة للتغيير كلما تغيرت الظروف على الأرض؟ وحتى المجتمع الدولي عاجز الآن عن الضغط على الطرف المعرقل حتى ينضم للاتفاق السياسي.

حكومة الوفاق تواجه تحديات عدة (الجزيرة-أرشيف)

 الطرف المضاد للاتفاق يتحدث عن انهيار الاتفاق السياسي وبدء مرحلة الحوار من جديد، بل تعدى الأمر إلى إعلان القطراني مرحلة انتقالية بفرض حكم عسكري في البلاد بزعامة خليفة حفتر.. كيف تقيم هذه الآراء؟
الغريب في الأمر أن من يقول إن الاتفاق السياسي انهار هو من لم يلتزم بتطبيقه، بل منع الأطراف الأخرى وعرقل عملها بعد ما أدرك أن هذا الاتفاق لو طبقت نصوصه لن يخدمه بشكل أو بآخر، الاتفاق السياسي فيه جملة من المبادئ إحداها عدم العودة لحكم العسكر بأي شكل من الأشكال، لكن نفاجأ في الأيام الماضية أن عضو من المجلس الرئاسي يشارك في هذا الجسم السياسي المنبثق عن الاتفاق يدعو إلى فرض حكم عسكري، نعتبر ذلك انتكاسة ودعوة إلى استنساخ تجارب فشلت في دول كثيرة وعودة لسنوات حكم العسكر في ليبيا ولا يمكن أن ننظر إليها كمبادرة جدية وتبقى مبادرة فردية.

 هل تعتقد أن أطرافا خارجية ربما تريد أن تفرض هذا البديل وأن علي القطراني استعمل كأداة فقط لتمرير هذا المقترح؟
بغض النظر سواء أكان هناك أطراف خارجية أو غيرها ما يهمنا هو تصريحه بصفته عضوا في المجلس الرئاسي، الحكم العسكري لن يوحد ليبيا كما يظن القطراني وسيزيد من حالة الانقسام في البلاد ومن يرى في هذا الحل مرحلة انتقالية فهذه كلها ديكورات من أجل إعطاء هذا الشكل نوعا من الشرعية.

أنا ما أعرفه أن الشعب الليبي يريد مؤسسة عسكرية نظامية وكلنا نريدها أن تلتزم بالعمل تحت سلطة سياسية ومؤسسة عسكرية مهنية تؤمن حدود هذا الوطن وتحارب العدو الخارجي وتقضي على المرتزقة داخل البلاد وتؤمن سيادة الوطن، وهذه وظيفة الجيش في كل مكان، أما ما يطرحه القطراني هو حكم عسكري وذلك سيقضي على كل المؤسسات السيادية في الدولة كما جاء في تصريحه بالتالي هو يبتعد عن شكل الحكم المدني وهذا أمر خطير حقيقة.

 كيف ستتعاطون مع التلويح باستقالة القطراني وعمر الأسود يوم 15 ديسمبر الجاري إذا لم تجر مياه الاتفاق السياسي من جديد وحدث تغيير في المشهدين السياسي العسكري؟
سمعنا هذا الكلام كثيرا من القطراني في أكثر من مناسبة، فأنا لا أعرف لماذا ينتظر حتى 15 من ديسمبر؟ إذا كان الاتفاق السياسي ينهار كما سمعنا أكثر من مرة وكان هناك مبادرة لتسليم الحكم للعسكر فلماذا الانتظار يمكنه الاستقالة إذا أراد.

الاستقالة من عضوية المجلس الرئاسي تعني أن هناك التزاما بالعضوية والتزاما بالاتفاق السياسي والمؤسسات المنبثقة عنه، القطراني تجاوز عشرة أشهر من الانقطاع عن المجلس الرئاسي يعني أنه في حكم المتغيب وبالتالي فهو في حكم المستقيل، حسب اللائحة التي تحكم عمل المجلس الرئاسي وغيرها من النصوص الإدارية.

أنا أنصح القطراني إذا أراد الاستقالة ألا يهدد بذلك ويخرج ويقدم مبررات وأسباب بكل شجاعة ولا ينتظر يوم 15 ديسمبر وبعد ذلك من حق المجلس الرئاسي أن يخاطب الطرف الذي يمثله هذا العضو لاختيار بديل.

قوات البنيان المرصوص تحتفل بانتصارها في سرت 5 ديسمبر/ كانون الأول الحالي  (رويترز)

 ما تصوركم لمرحلة ما بعد هزيمة تنظيم الدولة في سرت؟ وهل لديكم تصور في المجلس الرئاسي للتعامل مع قوات البنيان المرصوص التي حررت المدينة؟
منذ ثلاثة أشهر شكّل المجلس الرئاسي لجنة يرأسها وزير الداخلية وبعضوية وزيري الدفاع والحكم المحلي وسيكون لها اجتماع مع بعثة الأمم المتحدة يتعلق بمرحلة ما بعد سرت، وهذه المرحلة تتضمن شقا عسكري وأمنيا وشقا خدميا وإنسانيا، وإعادة إعمار المدينة من جديد، وهذه اللجنة استعانت بوزارة التخطيط، ووضعت تصورا ممتازا لمرحلة ما بعد سرت.

وفيما يتعلق بالشق العسكري، فإن معظم قوات البنيان المرصوص شاركت في حرب التحرير عام 2011 واكتسبت مهارة قتالية غير عادية في مواجهة كتائب القذافي في ذلك الوقت، الآن هذه القوات دخلت في حرب وقتال متواصل ضد تنظيم الدولة لسبعة أشهر بدأت يوم 5 مايو/أيار الماضي وانتهت يوم 5 ديسمبر/كانون الأول الحالي اكتسبت خلالها خبرة تعادل خمس سنوات من التدريب حسب الخبراء العسكريين الذين التقيناهم، وبالتالي أصبحت هذه القوات شبه جاهزة لتعطى لها مهام تتعلق بمواجهة التنظيمات الإرهابية.

للإشارة فإن التنظيمات الإرهابية فرت من سرت وموجودة في جبال وأودية ومناطق صحراوية جنوبية محيطة بالمدينة، والمعركة لا تزال مستمرة، وهناك الآن تصور مطروح للمجلس الرئاسي لتشكيل قوة لمكافحة الإرهاب ستكون قوات عملية البنيان المرصوص نواتها.

  ما آخر ما تم التوصل إليه فيما يتعلق بالحرس الرئاسي؟ هل هناك فعلا خطوات على الأرض لتشكيل هذه القوة؟
فكرة الحرس الرئاسي غاية في الأهمية وهي تشكيل نواة لقوة نظامية تجمع بين المهام العسكرية والمهام الأمنية الشرطية، نحن عانينا كثيرا من انتماء هذه الكتيبة أو تلك إلى هذا الاسم أو إلى قبيلة بعينها، ما نريده هو قوة نظامية تأتمر بأمر الدولة بغض النظر عن انتماء أو صفة المسؤول في الدولة.

بعد صدور قرار تسمية قيادات جهاز الحرس الرئاسي، بدأت هذه القيادة بوضع تصور وهيكلية وخطة عمل الجهاز وكل ما يتعلق بالتجنيد وفتح باب القبول وخلال الفترة المقبلة سيعلن بدء تجنيد أفراد الحرس الرئاسي، بالتوازي مع ذلك بدأت قيادات الحرس الرئاسي بالتواصل مع كثير من الكتائب النظامية العسكرية ذات طابع ما يعرف بالقوات الخاصة، وهي قوة مدربة تدريبا عاليا لجهاز الحرس.

وخلال أسبوعين ستبدأ هذه القوة بالانتشار داخل العاصمة لتأمين عدد من مقار الدولة كخطوة أولى، ويوازي هذه الخطوة اعتماد الخطة والهيكلية المقترحة من الحرس وتوفير الميزانية الكاملة وستشكل لجنة القبول ومن ثم التجنيد ليبدأ دخول العناصر الجديدة للحرس الرئاسي وتبدأ الدورات التدريبية، والباب سيكون مفتوحا لدمج التشكيلات المسلحة حتى تتحول إلى قوة نظامية تعمل مع مؤسسات الدولة.

 كم تقدر هذه القوة؟
هذه القوة لها علاقة بالاختصاصات، والأمر راجع لقيادة الحرس في تقديره لهذا الأمر إذا كانت الاختصاصات محدودة، ونتوقع أن يكون العدد من ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف منتسب، ثم بعد ذلك إذا توسعت الاختصاصات وزاد العمل في مرافق الدولة الحيوية سنحتاج إلى أعداد أخرى تقوم بتأمين مناطق بعينها وفق ما يتطلب الأمر.

المصدر : الجزيرة