جزر النيل.. الجنة البائسة

جزيرة القرصاية.. شاطئ النيل للأغنياء والباقي لسكانها (الجزيرة)
جزيرة القرصاية.. شاطئ النيل للأغنياء والباقي لسكانها (الجزيرة)

 عبد الله حامد-القاهرة

ذات عصر يوم صيفي حار، ركب رجل السيراميك الشهير محمد أبو العينين يخته الفاره، وشق عباب نهر النيل متجهاً لقصره الفخم الرابض في مقدمة جزيرة القرصاية جنوب الجيزة، راغبا في سويعات استجمام على شاطئ النهر وسط طبيعة خلابة خضراء.

وهو يقترب كان خالد عبد السلام يستقل من الجزيرة وسط رفاقه قاربا خشبيا بدائيا متجها لعمله على الضفة الأخرى من النهر، تلك التي جاء منها أبو العينين، ليصفع الموج الهادر -الناشئ عن حرث النهر باليخت- الموج الهادئ الذي يسبح فيه مركب "خالد" ورفاقه، فيضطرب قليلا ويستقر بعد بسملة وحوقلة ركابه الثمانية.

"يحفظنا الله وحده في كل مرة"، هكذا غمغم خالد قافزا من حافة القارب لحواف الشاطئ، وهو يذكر هذه الواقعة القريبة، يقول مشيرا لابنه الصغير "جئت للجزيرة برفقة والدي وأنا في مثل سن ابني، لم يتغير شيء منذ أكثر من أربعين سنة، أفعل كما يفعل ابني هذا كل يوم، يستقل قارباً للضفة الأخرى نحو المدينة حيث المدرسة الابتدائية، ويعود آخر النهار مثقلاً بحقيبة الكتب المدرسية".

‪يختلط موج النهر الهادر الناشئ عن حركة اليخوت مع موج النهر الهادئ الرابضة فوقه المراكب البدائية‬ (الجزيرة)

غياب الخدمات
"لا مدرسة ولا مستشفى ولا حتى صيدلية بالجزيرة"، هكذا يلخص الوضع محمد أبو الليل الذي يعمل بأحد النوادي النهرية المطلة على النيل من الضفة الأخرى، ويستطرد قائلا للجزيرة نت "الجزيرة هي جنة القاهرة لولا انعدام الخدمات والاهتمام الحكومي، حيث يعتبرونها محمية طبيعية".

جولة "الجزيرة نت" بجزيرة القرصاية تؤكد أننا إزاء مجتمع يفصل بينه وبين المجتمع الكائن على الضفة المقابلة فاصل من الماء والزمان، حيث يطل نحو ألف بيت بدائي من الطين اللبن، وأخرى إسمنيتة، على شوارع ضيقة ومضاءة بالكهرباء، وعلى المدى تلوح فيلات وقصور متباعدة، تسكنها أشباح ريثما يصل أصحابها وقت الإجازات.

"وصلات الكهرباء فقط هي ما منّت به علينا الحكومة"، تقول شيماء الطالبة بالمرحلة الإعدادية، مضيفة "ومؤخراً حصلنا على وصلة مياه من ماسورة (أنبوب ماء) صغيرة تبرع بتوصيلها رجل الإعمال محمد أبو العينين، لكن لا صرف صحيا رغم وجود فيلات وقصور لأناس مهمين حولنا، منهم الفنان التشكيلي محمد عبلة أحد الخمسين الذين كتبوا الدستور".

ويشكو عبد الباسط، وهو مزارع له أرض بالقرية، حاله قائلا "استصلحنا الأرض لكن ليس لنا حق امتلاكها، حتى بيوتنا نقيم فيها بحق انتفاع"، ويضيف هو يشير إلى أرض زراعية شاسعة "هذه الأرض ملك رجل أعمال، لماذا أعطوه صك ملكيتها وحرمونا نحن؟ نطلب فقط حق المعاملة بمثل ما عومل به سكان جزيرة الذهب المجاورة، حيث توجد مدرسة من فصلين ومستوصف ومياه نظيفة".

 

‪لجانب الآخر لجزيرة الذهب جنوب الجيزة حيث مبان حديثة مطلة على شارع البحر الأعظم‬ (الجزيرة)

جزر تاريخية
وجزيرة الذهب تلك يقطنها 15 ألف مواطن، لكنها لا تتصل بالعالم إلا بالقوارب البدائية، حتى الطريق الدائري المار فوقها لا ينزل منه سلم أو منزل للسيارات.

ويصل ثمن القيراط (يعادل 175 مترا مربعا) في جزر النيل لمئة ألف جنيه (نحو ستة آلاف دولار)، ويزيد حسب القرب من النهر، وبنفس المبلغ يمكن بناء منازل معرضة للإزالة، "إلا إذا كنت من أصحاب الفيلات، فلن يطالك بلدوزر الهدم"، هكذا يسخر صبحي فراج، وهو مدرس يسكن جزيرة الذهب، مضيفا "فهؤلاء القوم يأتون لقضاء إجازة الأسبوع بيخوت تصل بهم لمراس بجوارها مآرب لسياراتهم".

‪قصور الأغنياء المطلة على النيل ترهب يد الحكومة عن هدمها رغم مخالفتها‬ (الجزيرة)

"هذه الأرض تحبنا ونحبها" يقول صبحي، "هنا الحياة مختلفة هادئة، السكان يعرفون بعضهم بعضا، والخصومات يتم حلها ودياً في غضون ساعات، أما الغرباء فيتم تمييزهم، منذ أن تطأ أقدامهم القارب نحونا، حيث يطلب منهم صاحب القارب جنيها للتوصيل، بينما ندفع نحن اشتراكات شهرية تصل لخمسين جنيهاً للفرد".

ووفق إحصائيات وزارة الري، يبلغ عدد جزر النيل نحو 144 جزيرة تتوزع على 16 محافظة بمساحة تبلغ نحو 150 كيلومترا.

ويذكر كتاب "وقف السلطان الغوري الجامع لأوقافه" أنه "حتى نهاية دولة المماليك وبداية الدولة العثمانية بمصر، كانت هناك جزيرتان طوليتان متوازيتان بينهما سيالة ماء تعرف الأولى باسم جزيرة الصابوني والأخرى باسم جزيرة الذهب".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

نبه خبراء إلى المخاطر التي يتعرض لها النيل وذلك بردم أجزاء منه للبناء عليها أو زراعتها مشاتل, مما يؤدي إلى ضيق مجراه وقلة منسوب المياه في بعض المناطق.

18/10/2016

جدد السودان ومصر في اجتماعات مشتركة بالخرطوم الثلاثاء التزامهما باتفاقية مياه النيل للعام 1959، في حين أعلنتا عزمها النظر في تأثيرات سد النهضة الذي تشيده إثيوبيا على مجرى النهر.

16/9/2015

في ما وصفت بالمفارقة الغريبة، تعاني عدة أحياء بالعاصمة السودانية المثلثة -المكونة من الخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان- أزمة مياه حادة تعكس واقعا غريبا في عاصمة يقسمها أطول أنهار العالم.

21/10/2015

صدر العدد 49 لشهر مارس/آذار 2016 من مجلة الجزيرة الإلكترونية تحت عنوان “النوبة.. زينة النيل”. ويتناول العدد الخاص أوضاع منطقة النوبة بأسوان جنوبي مصر، للتعريف بتاريخ وحضارة المنطقة ومعاناة إنسانها.

1/3/2016
المزيد من أحزاب وجماعات
الأكثر قراءة