الهجمات بإسطنبول.. ارتدادات تركية للحروب العربية

مديرية الأمن العام في اسطنبول التي تعرضت لهجوم الأربعاء 1 أبريل 2015
مديرية الأمن العام في إسطنبول التي تعرضت لهجوم الأربعاء الماضي (الجزيرة نت)

خليل مبروك-إسطنبول

أوقفت الهجمات المسلحة التي شهدتها مدينة إسطنبول خلال الساعات الــ72 الماضية السلطات التركية على قدميها بعدما أظهرت استعداد المنفذين العالي للمساس بمفاصل سيادية هامة تزعزع استقرار المجتمع التركي وثقته بأمنه.

وربط متابعون بين الهجمات الأخيرة بإسطنبول وموقف تركيا من حرب "عاصفة الحزم" التي يشنها تحالف عربي بقيادة السعودية على الحوثيين المدعومين من إيران باليمن، كما تحدثوا عن علاقة لهذه الهجمات بنجاح قوى المعارضة باستعادة مدينة إدلب من يد نظام بشار الأسد في سوريا.

وكانت امرأة مسلحة تنتمي لحزب التحرير الشعبي الثوري اليساري قد قتلت مساء الأربعاء بعدما هاجمت بالرصاص المقر الرئيسي لمديرية الأمن العام بإسطنبول مما أسفر عن إصابة اثنين من رجال الشرطة بجراح.

وجاء الهجوم بعد ساعات من اقتحام شخص مسلح مقر حزب العدالة والتنمية الحاكم بمنطقة أسكودار في الجزء الآسيوي من المدينة، حيث قام بتحطيم زجاج المكتب وإخراج العاملين منه تحت تهديد السلاح وهو يردد عبارات عدائية للحكومة التركية. 

ووقعت كل تلك الأحداث بعد يوم واحد من انقطاع غامض لخدمات الماء والكهرباء والهاتف عن غالبية المحافظات التركية ومقتل المدعي العام بعد تسع ساعات من احتجازه في قصر العدل بمنطقة شايلايان بالمدينة الواقعة شمالي غربي تركيا.

‪وحيد الدين إنجة يتوقع أن تراجع تركيا سياستها مع العلويين‬ (الجزيرة)
‪وحيد الدين إنجة يتوقع أن تراجع تركيا سياستها مع العلويين‬ (الجزيرة)

هوية المهاجمين
وشنت الشرطة التركية حملة اعتقالات واسعة في منطقة أوق ميداني ذات الأغلبية العلوية بإسطنبول، شملت عشرة من المنتمين لحزب التحرير الشعبي الثوري (DHKP-C) المحظور، كما شملت الحملة 32 آخرين بمحافظات أسكيشهير وأنطاليا وإزمير.

وتدرج تركيا والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، الحزب الماركسي الذي تأسس في سبعينيات القرن الماضي على قائمة المنظمات الإرهابية، وتحمله المسؤولية عن عدد من الهجمات التي أوقعت قتلى مدنيين وعسكريين بتركيا خلال العقود الأربعة الماضية.

وتشير أصابع الاتهام بتركيا بوضوح إلى ضلوع زعيم حزب التحرير الشعبي الثوري مهراج أورال المعروف في سوريا باسم "علي الكيالي" وهو أحد المتهمين بالمسؤولية عن المجزرة الطائفية ببانياس في العام 2013.

وقال الكاتب والمحلل السياسي التركي وحيد الدين إنجة للجزيرة نت إنه لا يمكن النظر للحزب المسؤول عن التفجيرات دون الانتباه لهوية زعيمه ذي الأصول العربية العائدة لمدينة هاتاي، وهو من الطائفة العلوية ويمتلك اتصالات قوية بنظام بشار الأسد بسوريا حيث يقيم منذ فراره من تركيا عام 1980.

وأضاف أن حزب أورال سبق أن شن هجمات عدة في تركيا بمناسبات مختلفة، وأنه يرفع لواء الدفاع عن الأقلية العلوية لكسب الأنصار والموالين، مبينا أن تصعيد الهجمات اليوم يأتي على خلفية دعم تركيا لحرب عاصفة الحزم ولاستمرارها بدعم المعارضة السورية.

وعقد إنجة مقاربة بين المسألتين العلوية والكردية بتركيا، موضحا أن من يتآمرون على بلاده يسعون لتفجير أزمة مع العلويين بعدما أخذت مسيرة السلام تؤتي أكلها مع الأكراد.

وتوقع إنجة أن تقوم تركيا بمراجعة سياساتها تجاه العلويين على قاعدة توطيد العلاقة معهم في الوقت الذي تضرب فيه بيد من حديد على يد الحزب الثوري المسؤول عن الهجمات، وهي ذات السياسة التي انتهجتها أنقرة تجاه الأكراد والتي تمثلت بالمضي في التصالح ومواجهة حزب العمال الكردستاني في ذات الوقت.

‪أحمد الملاح: إيران تقاتل تركيا بأصابع بشار الأسد‬ (الجزيرة)
‪أحمد الملاح: إيران تقاتل تركيا بأصابع بشار الأسد‬ (الجزيرة)

إستراتيجية جديدة
من ناحيته قال المحلل السياسي أحمد الملاح أن تصاعد الهجمات جاء لزيادة الضغط على تركيا بعدما أبدت مواقف أكثر دعما للتحرك العربي ضد الحوثيين باليمن وللمعارضة السورية التي تمكنت أخيرا من السيطرة على مدينة إدلب.

وذكر الملاح وهو باحث وكاتب عراقي بأكاديمية سفراء العرب للتنمية باسطنبول، أن اليسار التركي الذي تمتد جذوره في سوريا وينشط في القتال إلى جانب نظام  الأسد، سدد الضربات الأخيرة بإسطنبول ليوجه رسالة إقليمية للحكومة التركية لثنيها عن دورها النشط في الملفات السورية والعراقية ومن بعدها حرب اليمن.

وقال الملاح إن العمليات أظهرت أن "طهران تقاتل تركيا بأصابع بشار الأسد"، وتوقع أن تستمر الهجمات إلى أن يتم إيجاد حل للأزمة السورية، دون أن يغفل قدرة الأمن التركي على امتصاص حدة الضربات وتحجيم أثرها دون القضاء عليها تماما نظرا للأعباء الكبيرة المترتبة على انفتاح الحدود وتدفق اللاجئين.

وعن المعالجات التي قد تلجأ لها تركيا في التصدي لهذه الهجمات قال الملاح إن أنقرة تعتمد على جمع المعلومات الاستخبارية وتكثيف انتشار عناصر الأمن لمنع وقوع المزيد من الهجمات.
كما أشار إلى امتلاك تركيا أوراق قوة يمكن تفعيلها في المواجهة من بينها تثوير العرب في منطقة الأهواز والأكراد بإيران لخلق ضغط مواز على طهران يثني حلفاءها عن مهاجمة الأمن التركي، مشيرا إلى أن التحالفات الجديدة في المنطقة قد تزيد من تضييق الخناق على إيران وتقلم أظافرها.

المصدر : الجزيرة