"الجرف الصامد" يدفع جنودا إسرائيليين للانتحار

مجموعة من الجنود الإسرائيليين قبيل بدء الحملة البرية في غزة (الجزيرة نت)
مجموعة من الجنود الإسرائيليين قبيل بدء الحملة البرية في غزة (الجزيرة نت)

وديع عواودة-حيفا

رغم توقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة فإن ضحاياه من الجنود الإسرائيليين ما زالوا يسقطون حتى الآن، ليس برصاص المقاومة هذه المرة، ولكن بالتبعات النفسية لأداء المقاومة المفاجئ.

فقد كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن انتحار ثلاثة جنود من لواء "جفعاتي" -أحد ألوية النخبة بالجيش الإسرائيلي- على خلفية أزمات نفسية وصدمات تعرضوا لها أثناء الحرب الأخيرة. 

وقالت وسائل الإعلام العبرية اليوم الأربعاء إن الجنود الثلاثة انتحروا خلال الأسابيع الأخيرة وبفارق أيام، مشيرة إلى أنه عثر على أسلحتهم الشخصية إلى جانبهم، وأن اثنين منهم كانوا في مواقع على حدود غزة.

والقاسم المشترك بين المنتحرين الثلاثة أنهم شاركوا في العمليات البرية التي خاضها اللواء خلال عملية "الجرف الصامد".
معاريف:
كثير من الجنود عانوا مشاكل نفسية ناجمة عن معارك برية خاضوها في غزة ولم يتلقوا العلاج النفسي اللازم

صدمة نفسية
وكشفت صحيفة "معاريف" الإلكترونية الإسرائيلية أنهم "عانوا من مشاكل نفسية ناجمة عن صدمة معارك برية خاضوها في غزة ولم يتلقوا العلاج النفسي اللازم".

واعترف الجيش الإسرائيلي اليوم أن مائة جندي على الأقل ممن شاركوا في الحرب "تم تحويلهم إلى العلاج النفسي في مستشفيات مختصة، وأن عددا مماثلا من الجنود سيضاف إلى قائمة المحتاجين لعلاج نفسي".

وأكدت الصحيفة أن عشرات الضباط من الصحة النفسية "رافقوا الوحدات القتالية خلال الحرب على غزة وأجروا أحاديث مع الجنود قبيل الحملة البرية كإجراء وقائي لمنع الانتحار".

وذكرت صحيفة "هآرتس" اليوم أنها كشفت الشهر الماضي عن تقديم الجيش مساعدات نفسية لمائة جندي خلال الحرب على غزة، وقالت إن عدد هؤلاء "ازداد بالتدريج بعد انتهاء الحملة البرية".

ونقلت الصحيفة عن قيادة الجيش دعوة الجنود في الجيشين النظامي والاحتياطي إلى عدم التردد في طلب المساعدة النفسية عن طريق الوحدة المختصة بذلك.

وكشفت أن الجيش "يفحص إمكانية التوجه إلى كافة الجنود الذين شاركوا في القتال بغزة للتثبت من عدم تعرضهم لصدمات حرب"، وذلك بهدف معالجتهم مبكرا بالتعاون مع الأطباء النفسيين وصناديق المرضى.

آثار الحرب
وتوضح الأخصائية النفسية الدكتورة مايا براك أن الحرب "عادة ما تترك آثارا نفسية متفاوتة على الجنود"، مضيفة أن بعض هؤلاء "لا ينجح في معالجة التجارب النفسية التي اجتازها خلال القتال فتتحول إلى أزمة".

وفي معرض ردها على سؤال للإذاعة الإسرائيلية العامة اليوم، قالت براك إن الحرب حدث قاس وإن القتال يسبب توترات تستدعي مشاعر ضيق وصدمة، منبهة إلى أنها ليست السبب الوحيد للانتحار.

وأوضحت أن الجيش الإسرائيلي "يعي هذه المخاطر ويوظف منذ سنوات طاقات كبيرة لتشخيص الجنود، كما أنه يهيئ عناصره لحالات قاسية"، مشيرة إلى أن عدد الجنود المنتحرين في تراجع.

وتابعت براك "من أبرز عوارض الضائقة الخطيرة لدى الجنود بعد اجتياز تجارب صعبة، الاستنكاف عن النوم، والتوحد، والإحباط، والعزوف عن تناول الطعام بانتظام، والتصرف بطريقة مختلفة".

دقدوقي: الجيش الإسرائيلي يخفي
العدد
الحقيقي لجنوده المنتحرين
(الجزيرة نت)

تعتيم
ويرجح الأخصائي النفسي الدكتور جمال دقدوقي أن الجيش الإسرائيلي يخفي العدد الحقيقي لجنوده الذين ينتحرون، متوقعا أن يزيد العدد عن سبعة كما اعترف بانتحارهم خلال العام 2013.

وأوضح دقدوقي للجزيرة نت أن الجيش الإسرائيلي يكرس في السنوات الأخيرة مساعي كبيرة لمحاربة الظاهرة عبر برامج الاكتشاف المبكر والعلاج المنظم.

ومع ذلك يقدر أن العدد الحقيقي أكبر من المعلن لوجود مدنيين ينتحرون بعد إنهاء الخدمة العسكرية بقليل ولا يعتبرون جنودا من جهة الجيش الذي يفضل التستر على هذه الحالات.

من جهته نفى الناطق بلسان جيش الاحتلال ذلك، واكتفى بالزعم أن هناك انخفاضا دراماتيكيا في عدد الجنود المنتحرين بفضل برامج الوقاية والعلاج، وبسبب النظام الجديد الذي يقلل كمية السلاح المتوفرة بأيدي الجنود.

لكن موقع "العين السابعة" المختص بنقد الصحافة الإسرائيلية يتهم الإعلام بالتعاون مع الجيش في طمس الظاهرة ومحاولة إخفائها.

وردا على سؤال الجزيرة نت، قال محرر الموقع عوزي بنزيمان إن الجيش "يرتكب خطأ فادحا فيما يتعلق بظاهرة انتحار الجنود، والصحافة تتبعه في ذلك"، مؤكدا أن تجاهل الظاهرة وإسكات كل من يريد كشفها "لن يداويها أو يوقفها".

وأكد بنزيمان -وهو ضابط احتياط- أن ظاهرة انتحار الجنود بعد الحروب تلازم كل الجيوش، لأن كثرة تبادل إطلاق النار علاوة على مقتل وإصابة جنود في المعارك الشرسة، ينعكس سلبا على الحالة النفسية لزملائهم.

وأشار إلى أن الجيش الإسرائيلي "شرع بعد سنوات من الإهمال في مواجهة الظاهرة بواسطة خطة ماجين التي يقدم من خلالها المساعدات النفسية الأولية لكل جندي قبيل الحرب وأثناءها وبعدها وبالتعاون مع أهاليهم أيضا".

المصدر : الجزيرة