دستور تونس يؤسس لاستقلال القضاء

خميس بن بريك-تونس

تجاوز نواب المجلس التأسيسي التونسي (البرلمان) خلافا كبيرا في باب السلطة القضائية خلال مناقشة مشروع الدستور الجديد، بعدما تمّ التوصل إلى صيغ توافقية تهدف في مجملها إلى تحقيق الفصل بين السلطات الثلاث والتوازن فيما بينها وضمان استقلالية القضاء.

وأجمع الفرقاء السياسيون والقضاة الذين دخلوا منذ فترة في إضراب ومسيرات للمطالبة باستقلال القضاء، على أن باب السلطة القضائية في مشروع الدستور لا يكرس لهيمنة السلطة التنفيذية على المحاكم والهياكل القضائية، معربين عن رضاهم بما وقع التوصل إليه.

وعلى هذا الأساس قررت جمعية القضاة التونسيين إلغاء إضرابها الذي كان سيتواصل أسبوعا كاملا، بعد المصادقة على تعديل الفصل 103 بصيغة توافقية تنص على تسمية كبار القضاة بالتوافق بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة وباقتراح من المجلس الأعلى للقضاء.

المجلس التأسيسي يصادق علىباب السلطة القضائية بالتوافق (الجزيرة)

وكان هذا الفصل أكثر الفصول التي أثارت احتقانا في المجلس بين المعارضة وكتلة حركة النهضة التي تمتلك أغلب المقاعد، والتي قوبل مقترحها بتسمية رئيس الحكومة لكبار القضاة برفض شديد من المعارضة امتدّ حتى إلى مداولات الحوار الوطني بين الفرقاء.

ولو لا التوصل إلى صيغة توافقية حول هذا الفصل بالذات، لتعطلت جلسات مناقشة الدستور في ظلّ التجاذب بين المعارضة التي اتهمت حركة النهضة بالسعي للسيطرة على القضاء، وبين الحركة التي اتهمت بدورها المعارضة بمغالطة الرأي العام.

وحول وجهة نظر النهضة بشأن تعديل الفصل 103 يقول عضو مجلس شورى الحركة بدر الدين عبد الكافي للجزيرة نت إن الصيغة التوافقية التي تم التوصل إليها أرضت كل الأطراف، بما فيها حزبه الذي يسعى لتوسيع قاعدة التوافق حول الدستور، وفق تعبيره.

وأشار إلى أن بعض أطراف المعارضة حاولت تسويق الاختلاف بين النواب حول كيفية تسمية كبار القضاة على أنه خلاف بين من يبحث عن استقلال القضاء ومن يسعى للهيمنة على مفاصل السلطة القضائية، "وهو غير صحيح".

معمول به
وأكد عبد الكافي أن اقتراح تسمية رئيس الحكومة لكبار القضاة لم تتبنَّه كتلة حركة النهضة فحسب وإنما "أغلب النواب"، موضحا أن "هذا المقترح معمول به في أكبر الديمقراطيات ويهدف إلى إخضاع السلطة القضائية لرقابة السلطة التنفيذية".

وحول رأي المعارضة في باب السلطة القضائية في مشروع الدستور يقول النائب عن التيار الشعبي مراد العمدوني للجزيرة نت إن "فصول هذا الباب تعتبر جدّ مقبول، مقارنة بمضامين الفصول التي جاءت في الصيغ السابقة لمشروع الدستور".

ويضيف العمدوني "نعتبر إلى حد ما أن مشروع الدستور الحالي يضمن استقلالية القضاء"، لكنه لم يُخف احترازه من وجود فصول في الدستور قال إنها تقبل التأويل وقد تسمح بالالتفاف على التوافقات الحاصلة بين الفرقاء، بناء على وجهة نظره.

بدر الدين عبد الكافي: الصيغة التوافقيةأرضت جميع الأطراف(الجزيرة نت)

أمّا عن موقف جمعية القضاة التونسيين التي دعت إلى الإضراب ثلاث مرات منذ نوفمبر/تشرين الأول الماضي للمطالبة باستقلال القضاء، فالجواب كان على لسان رئيسة الجمعية روضة القرافي بأن ما تم التوصل إليه في باب السلطة القضائية "مقبول".

التوافقية أفضل
وتؤكد روضة للجزيرة نت أن الفصل 103 رغم أنه "لم يرتق" إلى مستوى المعايير الدولية في تسمية القضاة من قبل المجلس الأعلى للقضاء، فإن "الصيغة التوافقية الأخيرة أفضل من الصيغة التي اقترحت تسمية كبار القضاة من طرف رئيس الحكومة".

وأشارت إلى أن جمعية القضاة التونسيين قررت إلغاء إضرابها الذي دعت إليه الأربعاء الماضي، مؤكدة أن باب السلطة القضائية في الدستور "يمكن أن يضمن بناء سلطة قضائية مستقلة رغم بعض التحفظات، خصوصا على حصانة القضاة".

ومع أن عودة القضاة إلى عملهم يخفف من حدة الاحتقان داخل هذا السلك، فإن العلاقة بين القضاة والحكومة التي تقودها حركة النهضة لا تزال متوترة بسبب احتجاج القضاة على رفض الحكومة المصادقة على حرية نقل وترقية القضاة التي أقرتها الهيئة المؤقتة للقضاء.

هذا إضافة إلى رفضهم تعيين الحكومة لرئيس المحكمة العقارية والمفتش العام بوزارة العدل بدعوى أن هذه التعيينات من اختصاص الهيئة المؤقتة للقضاء، وهو ما تنفيه وزارة العدل التي تؤكد احترامها للقوانين المنظمة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

رأت منظمة هيومن رايتس ووتش اليوم الاثنين أن عزل الحكومة التونسية عشرات القضاة قبل شهور لارتكابهم تجاوزات في عهد نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي يعد “سابقة خطيرة” تهدد استقلال القضاء.

نفذ القضاة في تونس الخميس إضرابا عن العمل استمر يوما احتجاجا على مشروع قانون الهيئة المؤقتة للقضاء الذي سيناقشه المجلس التأسيسي قريباً، ويبحث أساسا إحداث هيئة مستقلة تشرف على شؤون القضاء بدلا عن وزارة العدل.

وافق المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان) في تونس الأربعاء على قانون إحداث هيئة وقتية تشرف على القضاء العدلي بعد نقاشات استغرقت أسابيع, وتخللتها خلافات بين الكتل البرلمانية.

دخلت الأزمة بين القضاة التونسيين ووزارة العدل إثر تعيين وزير العدل لاثنين من كبار القضاة مرحلة تكسير العظام العلانية. فالقضاة -الذين نفذوا الخميس إضرابا تحذيريا- اتهموا الوزارة بمحاولة تدجين القضاء والسيطرة عليه، في حين أكدت الوزارة التزامها بالقانون ولوحت بمعاقبة المتجاوزين منهم.

المزيد من أحزاب وجماعات
الأكثر قراءة