السلطة والأقباط.. مواطنة لا تخلو من مصلحة

يوسف حسني-القاهرة

لم يكن لأقباط مصر في سابق الأعوام نشاط ولا دور سياسي ملموس كهذا الذي لعبوه في مظاهرات 30 يونيو/حزيران الماضي والتي اتخذها قائد الجيش عبد الفتاح السيسي ذريعة لعزل الرئيس المنتخب محمد مرسي في 3 يوليو/تموز، وما تبعه من إجراءات كان أهمها تعديل دستور 2012 الذي تم تعطيله.

ويرى كثير من معارضي الانقلاب أن الكنيسة لعبت دورًا لا يستهان به في عزل مرسي، وأنها مازالت تلعب دورًا لتدعيم أركان الانقلاب وتعظيم فرص وصول السيسي لمنصب الرئاسة.

وقبل أيام زار الرئيس المؤقت عدلي منصور بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية تواضروس الثاني بمقر الكاتدرائية المرقسية في العباسية بالقاهرة لتقديم التهنئة له بعيد ميلاد السيد المسيح (عليه السلام) وهي المرة الأولى التي يقوم فيها رئيس مصري بزيارة الكاتدرائية منذ رحيل الرئيس جمال عبد الناصر. كما قام رئيس الوزراء حازم الببلاوي بزيارة مماثلة.

مواطنة
وتعتبر الكنيسة أن ممارسات السلطة الحالية تجاه الأقباط تأتي في إطار حرصها على تدعيم الوحدة بين أبناء الوطن وترسيخ مبدأ المواطنة.

وقال محامي الكنيسة المستشار رمسيس النجار -في تصريحات صحفية- إن زيارات المسؤولين الكبيرين لم تكن لأهداف سياسية، وإنما تفعيل لمبدأ المواطنة وتأكيدً على أن الدستور الجديد هو دستور يحفظ حقوق المصريين بغض النظر عن جنسهم أو عقيدتهم.

ووصف وكيل الكاتدرائية القمص سرجيوس سرجيوس الزيارة بالتاريخية، وأضاف -في مداخلة مع فضائية "سي بي سي" المصرية- أن الزيارة ناقشت كيفية النهوض بمصر.

وثمنت الزيارة أحزاب "التجمع" و"الوفد" و"المصريين الأحرار" و"الكرامة" وغيرها من الأحزاب والقوى الداعمة لخريطة الطريق، وقالوا إنها تعكس الوجه الحقيقي للعلاقات بين أبناء الوطن وتؤكد أن منصور هو رئيس لكل المصريين.

جمال أسعد: مصر بحالة استقطاب (الجزيرة)

احتقان
من جهته، قال المفكر القبطي جمال أسعد للجزيرة نت إن الزيارة جيدة إن كانت في إطار "حرص السلطة على احتواء الأقباط كمواطنين مصريين وليس في إطار المغازلة السياسية لهم باعتبارهم جالية أجنبية تخضع للكنيسة".

وأضاف أن "مصر تعيش حالة استقطاب لا يمكن إنكارها، وقد ساعد تدخل الكنيسة الملحوظ في الشأن السياسي على إشعال الأزمة وزيادة الاستقطاب، كما أدى سلوك السلطة المعتمد على الطائفية في بعض الأمور إلى مزيد من الاحتقان".

وتابع أسعد "قلت مرارًا إن جماعة الإخوان المسلمين كانت الأقدر على البدء في وضع أسس علاقة جديدة ومختلفة بين المسلمين والأقباط، غير أن انحياز الأقباط للمرشح الرئاسي أحمد شفيق قد حال دون ذلك".

وأشار المفكر القبطي إلى أن الرئيس المؤقت "يسعى للعب دور حيادي وموضوعي يُحمد له، غير أنه ليس صاحب قرار في نهاية الأمر نظرًا لظروف المرحلة الدقيقة".

دور ملموس
في المقابل، يرى البعض أن سياسة السلطات الحالية تأتي في إطار رد الجميل للمسيحيين الذين ساندوا الانقلاب منذ لحظته الأولى، كما أنها تهدف إلى ضمان أصواتهم في الاستفتاء والانتخابات المقبلة، بل إن هناك من يذهب إلى القول بأن الكنيسة باتت تفرض وجهة نظرها في كثير من الأمور، لاسيما وأن البابا عارض الرئيس المعزول محمد مرسي وانتقد دستور 2012 المعطل، كما أنه كان حاضرًا في مشهد العزل وألقى كلمة تؤكد أن له دورا فيما يجري.

قرقر: سطوة الكنيسة بادية (الجزيرة)

من جهة أخرى، أشار قيادي بالتحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب أنه لا يرى حرجًا في زيارات كبار المسؤولين للكنيسة إذا تمت وفقًا للبروتوكولات الموضوعة لذلك.

وأضاف مجدي قرقر -في حديث للجزيرة نت- أن زيارة منصور جاءت في ظروف استثنائية، لاسيما وأن البابا أدلى بدلوه في قضايا سياسية شديدة الحساسية "فتبعه ملايين الأقباط نظرًا للطبيعة الكهنوتية للكنيسة التي تجعلها بوصلة لتوجيه الأقباط في كل الأمور".

وتابع "لا يمكن القول بأنه لا توجد دوافع سياسية وراء سياسة سلطات الانقلاب إزاء الأقباط، خاصة وأن رأس الكنيسة كانت له مواقف متشددة من الرئيس مرسي، وكان حاضرًا بقوة في مشهد إعلان الانقلاب".

وعن دور الكنيسة في الواقع السياسي المصري، يقول قرقر إن "يد الكنيسة كان لها أثر ملموس في عدد من الأمور بعد عزل مرسي لاسيما التعديلات التي تم إدخالها على الدستور المعطل وما ترتب على هذه التعديلات من انتقاص مواد الهوية الإسلامية، كما أنها منحت الكنيسة والأقباط حقوقًا ليست مبررة".

وأضاف أن "سطوة الكنيسة تجلت في تخصيص كوتة (حصة) للأقباط بمجلس النواب، وإلزام مجلس النواب القادم بإصدار قانون عاجل يسمح بترميم وبناء الكنائس واستقلالية الكنيسة في مقابل عدم استقلالية الأزهر، واستبدال هيئة كبار العلماء كمرجعية لتفسير مبادئ الشريعة الإسلامية بالمحكمة الدستورية".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يهدد بعض رجال الكنيسة القبطية بمصر بالانسحاب من لجنة إعداد الدستور في حال عدم النص على مدنيّة الدولة. لكن بعض المراقبين يرون أن الكنيسة تحاول فقط الحصول على مكاسب سياسية نظير دعمها للانقلاب العسكري في الثالث من يوليو/تموز الماضي.

أعلنت مصادر في الكنيسة المصرية رفض البابا تواضروس الثاني ما ينادي به بعض الأقباط من النص في الدستور على تخصيص كوتة للأقباط في المجالس المنتخبة، بينما هدد ممثل الكنيسة الأرثوذكسية في اللجنة بالانسحاب اعتراضا على صياغة ديباجة الدستور.

تثير وضعية الأقباط في الدستور المصري الجديد الذي تجرى صياغته حاليا جدلا كبيرا لاسيما بعد مطالبة ممثل الكنسية في لجنة الخمسين بإلغاء المادة 219 المفسرة لمبادئ الشريعة الإسلامية في دستور 2012 الذي تم تعطيله بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد مرسي.

طالب ممثل الكنيسة الأرثوذكسية بلجنة الخمسين لتعديل الدستور المصري بإلغاء أي تفسير لمبادئ الشريعة الإسلامية من ديباجة الدستور، في الوقت الذي طالب فيه مؤتمر "التمييز الإيجابي هو الطريق الصحيح للمواطنة" بالنص على تخصيص حصة من المقاعد البرلمانية للأقباط.

المزيد من تقارير وحوارات
الأكثر قراءة