أزمة أوروبا المالية تخفض مواليدها

خالد شمت-برلين

كشفت دراسة ميدانية موسعة أصدرها معهد ماكس بلانك الألماني للبحوث الديمغرافية أن الأزمة المالية الأوروبية المستمرة منذ عام 2008 تسببت في تراجع أعداد المواليد في دول جنوب أوروبا وتغيير سكانها لأنماطهم الحياتية، وتخليهم عن فكرة تكوين أسرة وإنجاب أطفال.

وقالت الدراسة التي حللت الواقع الاقتصادي والاجتماعي في دول الاتحاد الأوروبي الثمانية والعشرين بين عامي 2001 و2011، إن هناك ارتباطا وثيقا بين ارتفاع معدلات البطالة وتراجع أعداد المواليد في أوروبا خلال سنوات الأزمة. وأوضحت أن ارتفاع أعداد العاطلين في الاتحاد الأوروبي بواقع 1% قابله عكسيا انخفاض أعداد المواليد بنسبة 0.3%، وهو ما يقل عن طفل لكل امرأة في المتوسط.

ولفتت الدراسة الميدانية الألمانية إلى أن الخوف الأكبر المسيطر على أذهان سكان القارة العجوز هو الخوف من استمرار تداعيات الأزمة المالية، وأشارت إلى أن التراجع الحاد بأعداد المواليد في الاتحاد الأوروبي منذ عام 2008 يبدو ملحوظا في إيرلندا وليتوانيا وكرواتيا والمجر. وذكرت أن الانخفاض الكبير بمعدلات الإنجاب في إسبانيا المعروفة بميل سكانها للإنجاب ووصوله عام 2011 إلى 1.3 طفل -وهو ما يمثل طفلا واحدا فقط لكل امرأة- قد حدث بموازاة الارتفاع القياسي في معدلات البطالة وتجاوزها 11% في العام نفسه.

أشارت الدراسة إلى أن التراجع الحاد بأعداد المواليد في الاتحاد الأوروبي منذ عام 2008 يبدو ملحوظا في إيرلندا وليتوانيا وكرواتيا والمجر

تأثير سلبي
ونوّهت الدراسة إلى أن التأثير السلبي للأزمة على معدلات المواليد في أوروبا جاء عقب عودة هذه المعدلات للارتفاع بعد سنوات من الانخفاض الحاد. وقالت إن الأزمة المالية تسببت في خفض كبير بأعداد المواليد في دول أوروبية وفي توقف نموها في دول أخرى مثل بولندا والتشيك وبريطانيا، وفي عدم تأثيرها في معدلات الإنجاب بدول أخرى تعاني من تراجع النمو السكاني لأسباب أخرى. وأشارت إلى أن دولا مثل ألمانيا والنمسا وسويسرا تعاني من تراجع معدلات الخصوبة والإنجاب برغم أن أعداد العاطلين فيها لم تشهد ارتفاعا.

ولفتت دراسة معهد ماكس بلانك إلى أن أكثرية الأجيال الشابة تحت سن 25 عاما بدول أوروبية كإسبانيا وإيطاليا وإيرلندا والمجر وليتوانيا، تخلت بتأثير الأوضاع الاقتصادية المتراجعة منذ عام 2001 عن أحلامها بتكوين أسرة، وأشارت إلى أن خروج شاب واحد من هؤلاء من سوق العمل يجعل فكرة إنجابه الطفل الأول مستبعدة، ونوهت إلى من تجاوزوا سن الأربعين بالدول الأوربية المأزومة لا يفكرون بدورهم في الإنجاب لعوامل بيولوجية.

وخلص معدو الدراسة في ختامها إلى عدم استبعاد أن يأخذ التراجع بأعداد المواليد في أوروبا طابعا أكثر حدة مع استمرار تداعيات الأزمة المالية في السنوات القادمة.

المحلل الاقتصادي ببورصة فرانكفورت الطيبي سعداوي:
إن الإنسان الأوروبي صاحب حساسية شديدة فيما يتعلق بالاقتصاد، ويميل للتخطيط لكل شيء بما في ذلك تكوين أسرة وإنجاب أطفال

حساسية اقتصادية
وفي تعليق على الدراسة، قال المحلل الاقتصادي ببورصة فرانكفورت للأوراق المالية الطيبي سعداوي إن الإنسان الأوروبي صاحب حساسية شديدة فيما يتعلق بالاقتصاد، ويميل للتخطيط لكل شيء بما في ذلك تكوين أسرة وإنجاب أطفال.

وأوضح سعداوي -في تصريح للجزيرة نت- أن تضرر دول جنوب أوروبا من الأزمة المالية وتداعياتها، خاصة الارتفاع الكبير في أعداد العاطلين، دفع كثيرا من السكان هناك للتخلي عن أحلامهم بالأسرة والأطفال.

وأشار إلى أن التراجع الملحوظ في معدلات المواليد خاصة ببلدان أوروبية اشتهرت بالروابط العائلية التقليدية وحب الأطفال كإسبانيا والبرتغال وإيطاليا، جاء نتيجة تقليص حكومات هذه الدول أو إلغائها للمخصصات الاجتماعية لدعم الأسر وتنشئة الأطفال.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أوضحت دراسة أكاديمية ألمانية أن التراجع المستمر بمعدلات الإنجاب والمواليد لدى المواطنين الألمان سيسبب اختلالا كبيرا في التركيبة السكانية والتطور الديموغرافي بالعاصمة برلين ومدارسها خلال العشرين عاما القادمة.

زادت في السنوات الخميس الأخيرة حالات تفكك الأسر التشيكية وهو ما دعا مسؤولين معنيين إلى التحذير من استمرار انزلاق البيئة الإنسانية التشيكية أكثر في هذا الاتجاه. ويشير متخصصون إلى أن ذلك قد يؤدي إلى مشاكل نفسية واجتماعية على المدى البعيد في أوساط الأسرة.

بينت إحصائية حكومية أوكرانية تراجع معدلات الإنجاب في البلاد خلال العقد الأخير على نحو بات يهدد المجتمع الأوكراني الذي يعاني أصلا من تراجع متسارع لعاد سكانه البالغ نحو 46 مليون نسمة.

يشهد الزواج في جمهورية التشيك تراجعا كبيرا مقابل تفضيل العيش الحر وإنجاب الأطفال لكن خارج الحياة الزوجية. هذا الأمر حدا بالمختصين الاجتماعيين إلى دق ناقوس الخطر، والتأكيد أن مؤسسة الزواج في البلاد قد تواجه خطر الانهيار.

المزيد من أسرة
الأكثر قراءة