إسطنبول.. صراع المساجد والخمارات

إسطنبول فيها أكثر من ثلاثة آلاف مسجد
undefined

محمد أعماري-إسطنبول

في لحظة حديثنا إلى بائع الخمور تونجاي، صدح أذان صلاة الظهر من مسجد شيشلي بإسطنبول الذي يبعد عن المحل بأقل من مائة متر، مشهد يختصر تدافعا خفيا بين تيارين، أحدهما يتحلل من الدين وضوابطه، وآخر يجل العبادات ويرفض أن تخدش حرمتها.

هذا التدافع عاد إلى الواجهة بقانون "التضييق على الخمور" الذي تنوي حكومة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان تطبيقه في سبتمبر/أيلول المقبل ليمنع بيع الخمور من العاشرة ليلا إلى السادسة صباحا، وكذا قرب المساجد والمدارس، مما أضاف بعض الزيت على نار الاحتجاجات التي شهدتها البلاد خلال أسابيع.

لغة الأرقام تعكس بدورها هذا التدافع، فعدد نقاط بيع الخمر في إسطنبول يبلغ -حسب إحصاءات رسمية- نحو 4100، أغلبها في البقالات، كما تباع أيضا في المطاعم والمتاجر وعلى بعض بواخر النقل بين شقي المدينة الأوروبي والآسيوي، وفي كثير من المقاهي والفنادق ودور الضيافة وبعض محطات وسائل النقل ومحلات الفواكه الجافة.

أما "نقاط الصلاة" في المدينة فيبلغ عددها نحو 3200 مسجد وقاعة صلاة، تتركز 10% منها في حي الفاتح العريق الذي يضم بعض أشهر وأعرق مساجد إسطنبول، ويوجد أقلها في حي باكركوي (31 مسجدا).

إدغار شار اعتبر أن قانون منع بيع الخمور سيشجع استهلاكها (الجزيرة)إدغار شار اعتبر أن قانون منع بيع الخمور سيشجع استهلاكها (الجزيرة)

تضييق
معارضو القانون يرون فيه تضييقا على حريتهم الشخصية، فالطالب الجامعي إدغار شار يقول إن هذا القانون أمر "تافه"، ويوضح تخيل لو أن ما معي من خمر نفد بعد العاشرة ليلا، هذه حريتي الشخصية، ولا يجوز للحكومة أن تتحكم في توقيت شربي.

ويعتبر شار أن هذا القانون له خلفية "سياسية وأيديولوجية"، وأن لا علاقة للأمر بتنظيم بيع الخمور، ويضيف "الناس يشكون في أفعال أردوغان، وهو لم يشرح مغزى القانون، وحتى بعض البرلمانيين من حزبه لا يعرفون لماذا تم سنه، بل منهم من يرفضه".

مبعث القلق أكثر بالنسبة لتونجاي هو أن هذه البضاعة يكثر الطلب عليها بعد العاشرة ليلا، فالقانون في النهاية -حسب رأيه- قد يصيبه بالإفلاس، معتبرا أن هذا "إخلال" بالمعايير التي يطلبها الاتحاد الأوروبي لانضمام تركيا إليه.

ويؤكد تونجاي "نحن لم نختر البيع قرب المسجد كي نهينه، أو المصلين، فقد اخترنا المكان بغض النظر عن قربه أو بعده من المسجد"، ويضيف "هذا القانون يمس عملنا ويضيق علينا في مصدر رزقنا".

ومن جهة أخرى هاجم العضو في جمعية الفكر الأتاتوركي رمضان أربيه الحكومة بشدة، وقال "إن جوهر الأمر ليس منع الخمر"، واتهم أردوغان بالسعي لكسب تعاطف أطراف محافظة عدة ليمر بتركيا من النظام الجمهوري البرلماني إلى النظام الرئاسي.

ويضيف أربيه "صحيح أن الخمر حرام، لكن في هذه الدولة أيضا أمور أخرى حرام وأخطر من الخمر، مثل هدم المدارس وتدمير المساحات الخضراء لتبنى مكانها عمارات وفنادق وشقق".

ويؤكد أنه يوجد في حزب أردوغان أعضاء يشربون الخمر فلماذا يطبع ويتعايش معهم؟ وقال بتوتر "إنها التجارة في الدين لكسب تعاطف الناس"، مشيرا إلى أن المنع هو في النهاية دعوة للإقبال على الخمر، "فكل ممنوع مرغوب فيه".

‪قهرمان: من غير المقبول وجود خمارة قرب مسجد‬ (الجزيرة)‪قهرمان: من غير المقبول وجود خمارة قرب مسجد‬ (الجزيرة)

إهانة
وفي الطرف الآخر ينبري إمام مسجد شيشلي سيدي قهرمان ليدافع عن تقنين بيع الخمور وإبعادها عن المساجد، لأنه "من غير المقبول وجود خمارة قرب مسجد".

ويتابع بالقول أنا إمام في هذا المسجد منذ 37 عاما، وعندما تدخّل المشرعون في أول الأمر لتقنين بيع الخمور، كانت المسافة التي يجب أن تفصل المسجد عن الخمارة لا تقل عن 300 متر، ثم أصبحت مائتي متر، ثم أصبحت 150 مترا، ثم أصبحت 50 مترا، ثم بعد ذلك لم يعد هناك أي اعتبار للمسافة.

ويوضح الإمام "في هذا المسجد غرف أعدت للإيجار، لقد بلغت الوقاحة بالبعض حد استئجار بعض هذه الغرف واستخدامها للسكر، أين حرمة أماكن العبادة؟".

أما أحد المصلين فقال إنه يدعم القانون الجديد "فنحن في دولة أهلها مسلمون، بل أنا ضد شرب الخمر أصلا لأنها أم الخبائث، أليس من الظلم أن تكون صائما ويأتي من يأكل ويشرب أمامك، ولا يكتفي بشرب الماء وغيره، بل يشرب الخمر أيضا، هذا احتقار وإهانة؟".

ويرى مساعد مفتي إسطنبول عبد الرحمن بينبير أن بيع الخمور قرب المساجد جرح لمشاعر المصلين وعدم احترام لهم، فأماكن العبادة يجب أن تكون بعيدة عنها الخمارات.

وأشار بينبير إلى أن هذه الإجراءات كانت في قوانين سابقة وكان ينقصها التفعيل والتطبيق فقط، "فهؤلاء المصلون مواطنون أيضا ولهم حرية يجب احترامها".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

Ankara, Ankara, TURKEY : Turkish Prime Minister Recep Tayyip Erdogan is applauded as he arrives to address on June 18, 2013 deputies of his ruling Justice and Development Party (AKP) during a meeting at the Turkish parliament in Ankara. By resorting to force to dislodge protesters who have been defying his authority, Erdogan may have won the battle for Gezi Park,

بدأ رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الجمعة جولات لحشد أنصاره بعد الاحتجاجات المناهضة لحكومته. يأتي ذلك بينما اعتقل 18 ناشطا وأودعوا السجن لمشاركتهم في المظاهرات الاحتجاجية.

Published On 21/6/2013
epa03747770 Turkish riot police arrest protestors during a clash in Ankara, Turkey, 16 June 2013. Protests broke out late Saturday in Istanbul after Turkish police cleared anti-government demonstrators from Gezi Park in the city's Taksim Square. The wave of protests was originally sparked by the eviction of a peaceful protest camp from Gezi Park on the edge of Taksim Square, where Prime Minister Recep Tayyip Erdogan had pushed through plans to build a shopping centre on one of Istanbul's last green spaces. EPA/VOLKAN FURUNCU / ANADOLU AGENCY TURKEY OUT, EDITORIAL USE ONLY/NO SALES/NO ARCHIVES

أمرت محكمة تركية بحبس عدد من الأشخاص بعد أن وجهت إليهم اتهامات على خلفية المشاركة بمظاهرات معارضة للحكومة، في حين بدأ رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان القيام بجولات داخلية لحشد أنصاره.

Published On 22/6/2013
Protesters run in panic as riot police and water cannons returned to Istanbul's Taksim square June 11, 2013. Turkish riot police fired tear gas and used water cannon against anti-government protesters in Istanbul's Taksim Square, driving out thousands of demonstrators after a day of clashes. REUTERS/Yannis Behrakis (TURKEY - Tags: CIVIL UNREST POLITICS)

استخدمت الشرطة التركية خراطيم المياه لتفريق آلاف المتظاهرين الذين عادوا السبت إلى ساحة تقسيم في إسطنبول بعد هدوء استمر أياما عدة وأعقب ثلاثة أسابيع من التظاهرات غير المسبوقة ضد الحكومة.

Published On 22/6/2013
Ankara, Ankara, TURKEY : Protesters shout anti-government slogans during a demonstration in Ankara on June 25 2013. The head of Istanbul's bid to host the 2020 Olympic Games on June 25, 2013 said he was proud of the young protesters who have flooded the streets of Turkish cities in recent weeks and did not think the demonstrations would harm the city's chances of hosting the event. Turkey has taken a tough stance against the tens of thousands of demonstrators who have been protesting since May 31 against the government, which has been seen as increasingly authoritarian and conservative. The protests, which have left at least four people dead and nearly 8,000 injured, have infuriated Prime Minister Recep Tayyip Erdogan, with the heavy-handed government response earning Ankara criticism and raising tensions notably with Germany. AFP PHOTO / ADEM ALTAN

توافدت أعداد من المحتجين الأتراك إلى الساحات في العاصمة أنقرة ومدينة إسطنبول بعد سماعهم نبأ إطلاق سراح ضابط شرطة اتهم بالتسبب بوفاة أحد المتظاهرين في العاصمة منذ أسبوعين أثناء المظاهرات ضد حكومة رجب طيب أردوغان.

Published On 26/6/2013
المزيد من تقارير وحوارات
الأكثر قراءة