العنف أغرق العراقيين في الأحزان

عندما تتحمل المرأة عبء الحياة تبدأ الاحزان
undefined
فاضل مشعل-بغداد
 
رغم أنها لم تكمل العقد الرابع من عمرها إلا أن المآسي أثقلت كاهل أم كريم التي توفي زوجها قبل ست سنوات، فدخلت أسرتها دوامة الضياع والتفكك، فأولادها الخمسة تركوا الدراسة وبحث كل منهم عن طريقه، في حين ساقت المعاناة البنات إلى حياة زوجية قبل الأوان بحثا عن "الستر".
 
وباتت الشمس لا تشرق على عائلة أم كريم إلا بمعاناة جديدة، بعد أن باعت بيتها الصغير لتوفير لقمة العيش لأبنائها، وباتت تتنقل من بيت للإيجار إلى آخر.
 
وتقول أم كريم "الحياة بأكملها تغيرت في بغداد، ليست حياتي أنا وحدي، وأيامنا لم يعد فيها سوى الهموم والأحزان والمشاكل". وتضيف "زوجي قتل بانفجار سيارة مفخخة وأصبحت ملزمة أن أتدبر معيشة الأولاد. كنا نخطط، أنا ووالدهم لمستقبلهم، لكن تحطمت آمالنا بالكامل بعد عام 2003".
 
وتضيف في حديث للجزيرة نت "كريم الذي أكمل 21 عاما استقل بسكن وحياة خاصة، بعد أن وجد وظيفة وأصبح يتقاضى راتبا بالكاد يسد رمقه هو وزوجته". وتضيف والأسى يفيض من عينيها "كنت أمني النفس أن يعين بقية أشقائه، بعد أن يكمل دراسته الجامعية، لكنه أصبح عامل خدمة بأجر ضئيل، ومع ذلك فهو أفضل من غيره من العاطلين".
العنف تبدأ معه معاناة الأسرة العراقية ويغرقها بأحزانها (الجزيرة نت)العنف تبدأ معه معاناة الأسرة العراقية ويغرقها بأحزانها (الجزيرة نت)

سجن وتشرد
أما ابنتها منيرة (18 عاما) فتسرد جانبا آخر من مأساة الأسرة، وتقول "تركت الدراسة وتزوجت رجلا يكبرني بعشرين عاما، بينما سلك اثنان من أشقائي الصغار (9 و11 سنة) طريقا غير مستقيم، فسجن الأكبر بتهمة السرقة، وأجبرت أمي شقيقي الأصغر على البيع على الرصيف حتى تجد العائلة ما تقتات به".

عائلة أم كريم ليست وحدها من عصفت به أحوال العراق بعد عام 2003، فتبخرت الأحلام وتشتت الشمل، وتفشت سلوكيات غريبة عن المجتمع العراقي.

ويقول أبو خالد، وهو صديق لعائلة أم كريم منذ زمن بعيد "لا تخلو عائلة عراقية من المآسي، وصور الحزن والمعاناة، من هجرة إلى الخارج أو فقدان أحد أفراد العائلة أو إصابته بعاهة دائمة جراء حوادث الانفجار والقتال، وأدخلت على المجتمع العراقي مظاهر جديدة أغرقتها في الأحزان، ونسيت الأسرة العراقية كيف تفرح".

ولا يختلف رأي أستاذ علم النفس بالجامعة المستنصرية د. عادل غافل كثيرا عن رأي أبو خالد في تفسير ظاهرة الحزن الذي خيم على العراقيين، وسلبهم القدرة على الفرح الذي كان طابع حياتهم لأجيال.

ويفسر د. غافل ذلك للجزيرة نت بقوله "السبب هو التشتت العائلي سواء كان هذا التشتت مباشرا أي عند فقد أو إصابة أحد أفراد الأسرة، أو غير مباشر عندما ينتقل الحزن إلى الفرد جراء الحالة العامة التي تمر بها البلاد".

وتابع "لا يمر يوم دون أن يسقط العشرات من القتلى ويصاب العشرات بجراح، ويتحول العشرات إلى أيتام أو أرامل وآخرون إلى معاقين. هذا سبب كاف للحزن".

وبين ما يراه أبو خالد وما يفسره د. غافل، تستمر أم كريم وسواها تتنقل بين سجن لتفقد ابنها الأوسط، وسعي محموم لتدبير لقمة العيش، هكذا أصبح الحزن رفيق العائلة الدائم، الذي خلف جيلا قلقا مشتتا.

ولا تعرف أم كريم وسواها ما الذي ستترك أعوام الحزن على أبناء الأبناء الذين سيولدون وسط الدخان والمفخخات وحالات التأهب التي لا تنفك تفرض ظلالها السوداء على الناس بالعراق منذ أربعة عقود متتالية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

AFP / Iraqi widows carry their food parcels which were organised by a town councillor along with the Iraqi Red Crescent, at the town council headquarters in Adwaniyah, a Sunni Muslim

خلفت الحروب المتعددة والأزمات التي مر بها العراق خلال العقود الماضية جيشا من الأرامل يعاني الكثير منهن ظروفا اجتماعية قاهرة. ومما يزيد الأمر سوءا أن الأرامل لا يحظين بأي اهتمام من الحكومة أو من المنظمات الإنسانية.

Published On 6/12/2009
AFP - Iraqi women walk in a muddy street in the city of Fallujah 50kms west of the capital Baghdad on October 30 2008. In 2004 Fallujah was virtually razed to the ground by a massive US assault triggered when four security guards of US-based

كشفت منظمة عراقية عن وجود أكثر من 30 ألف أرملة في مدينة الفلوجة غالبيتهن فقدن أزواجهن خلال الهجومين اللذين شنتهما القوات الأميركية على المدينة عام 2004.

Published On 11/1/2010
أطفال عراقيون

أكد مسؤولون عراقيون وجود مليون أرملة وأربعة ملايين يتيم في بلد لا يتجاوز سكانه الثلاثين مليونا، وفي حين اتهمت أكاديمية وناشطة بحقوق المرأة الحكومات العراقية بالإهمال المتعمد للأيتام والأرامل قال مسؤول بوزارة الشؤون الاجتماعية إن وزارته تقدم الكثير من المعونات لهذه الشريحة.

Published On 21/8/2010
An Iraqi woman weeps over the grave of a loved one at a cemetery during the first day of Eid Al-Fitr in Baghdad on September 10, 2010 as Muslims around the world celebrate the first day of the holiday that marks the end of the fasting month of Ramadan. AFP PHOTO/KHALIL AL-MURSHIDI

يطالب الوقف السني في العراق بوضع إستراتيجية متكاملة لإيجاد الحلول المناسبة لأوضاع الأرامل والأيتام في العراق. ويقدر عدد الأرامل بأكثر من مليون في حين يصل عدد الأيتام إلى أربعة ملايين.

Published On 14/10/2010
المزيد من أخلاق وسلوكيات
الأكثر قراءة