البعثة الأممية بسوريا الحد الأدنى المقبول

إلياس تملالي

بعد أشهر قليلة من قبولها بعثة مراقبين عرب انهارت مهمتهم بسرعة، عادت سوريا لتقبل بفريق من المراقبين الأمميين جاء انتشارهم ثمرة لقرار بمجلس الأمن لقي تأييدا روسيا صينيا نادرا.
 
ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2011 وافقت دمشق على خطة عربية لحل الأزمة السورية، ثم وافقت -وبعد تعليق عضويتها في التكتل العربي- على برتوكول إضافي قضى بنشر مراقبين للتحقق من التزامها ببنود المبادرة.

شهد عمل البعثة منذ البداية تضاربا شديدا في تصريحات مسؤوليها، وانتقدها نظام بشار الأسد والمعارضة سواء بسواء، قبل انهيارها تماما في يناير/كانون الثاني الماضي.

قرار نادر
لكن مجلس الأمن صوّت السبت على نشر قوة غير مسلحة لمراقبة هدنة في سوريا، توسط فيها المبعوث الأممي العربي كوفي أنان كجزء من خطة لحل الأزمة، تقضي أيضا بانسحاب الجيش من المدن وحوار المعارضة.

وقد بدأ الجزء الأول من القوة الطليعية -وقوامه 30 فردا- بالانتشار، على أن يكتمل العدد الإجمالي وهو 250 فردا.

القرار يلوّح بإجراءات غير محددة إنْ لم يتعاون النظام السوري مع المراقبين

وكان القرار 2042، الذي تنتشر بموجبه البعثة، أول قرار يخص سوريا تدعمه روسيا والصين منذ 13 شهرا.

بل إن روسيا والصين دعمتاه رغم تلويحه بـ"إجراءات غير محددة" إنْ لم يتعاون النظام مع المراقبين، الذين سيرفع أنان تقريرا عن عملهم إلى مجلس الأمن.

عكْس البرتوكول الإضافي -الذي لم يشمل بعمله المواقع العسكرية- سيكون بمقدور المراقبين الأمميين نظريا التحرك بحرية كاملة، وزيارة أي موقع دون سابق إنذار.

لكنْ هل بإمكان قوة غير مسلحة من 250 شخصا (العدد ذاته الذي كان يفترض أن تبلغه البعثة العربية) مراقبة وقف إطلاق النار في بلد بحجم سوريا؟

مهمة مستحيلة
"لا، إطلاقا" يجيب خبير شؤون الدفاع البريطاني فرانسيس توسلا وخبير الشؤون العسكرية والإستراتيجية اللبناني إلياس حنا.

وتحدث توسلا في لقاء هاتفي مع الجزيرة نت عن مهمة شبه مستحيلة في سوريا، لكن لا مفر منها.

فالخيارات ليست كثيرة يقول توسلا، فإما قوة كبيرة بآلاف الأفراد وهو ما كان سيستغرق وقتا طويلا ويجابَه حتما باعتراض الصين وروسيا المتخوفتين من تدخل على الطريقة الليبية، وإما عدم التحرك نهائيا مما يعني استمرار الأزمة بدمويتها، وإما قوة صغيرة كحل وسط بين موسكو وبكين الرافضتين للتدخل العسكري وبين واشنطن التي تريد تحركا ما، لكنها لا تريد جبهة عسكرية جديدة.

شهادة طرف ثالث
ويرى توسلا أن القوة تكتسب قوتها من خضوعها تراتبيًا لهيئة أعلى من الجامعة العربية، وسيكون باستطاعتها لأول مرة أن تقدم للعالم شهادة طرف ثالث في النزاع، لكنْ يبقى بعد ذلك معرفةُ أي قراءة ستعطى في مجلس الأمن للأدلة التي تجمعها.

من جهته يرى إلياس حنا أن تفويض هذه البعثة يختلف عن سابقتها من حيث مصدر شرعيتها، وهو الأمم المتحدة القادرة على اتخاذ قرارات.

الخبير إلياس حنا:
روسيا والصين تبعثان رسالة للنظام مفادها أن هذا الوضع لا يمكن استمراره
"

لكن حنا يرى هو الآخر أن القوة بحكم عددها يستحيل عليها مراقبة كل سوريا، ويذكّر بتعقيدات العمل اللوجستي (الانتشار بمدن كبرى كحمص وحماة وإدلب وأريافها وفتح مقرات قيادة في كل منطقة ساخنة ونشر فرق تعمل على مدار الساعة)، إضافة إلى أن قواعد اشتباك البعثة لم ترس بعد(حرية الحركة، وطبيعة العتاد المسموح بإدخاله..).

رسالة مشتركة
كما يذكّر بأن ما حدث يثبت أي دور يمكن أن تلعبه الدبلوماسية، فقبل ستة أشهر ما كان للصين وروسيا أن توافقا على مثل هذا القرار، لكنهما الآن تبعثان رسالة للنظام السوري مفادها أن هذا الوضع لا يمكن استمراره إلى الأبد وأن "عليكم قبول شيء ما".

ويعتبر حنا أن القرار يشرّع تدويلا كان ساريا بالفعل لكنه ليس معلنا، بعد أن باتت دول كروسيا والصين وحلفائهما وحتى إيران مرتبطة بالملف.

ويقول للجزيرة نت إن القرار أحدُ نتائج الضغط الروسي على النظام السوري، وهو ضغط حمل رسالة مفادها أن "الوضع لا يمكن استمراره".

لكن حنا يرى أيضا في القرار اعترافا دوليا لأول مرة بوجود طرف آخر في الصراع المسلح غير الحكومة السورية.

هل ستنجح القوة الأممية في خفض وتيرة القتل؟

"في مرحلة أولى نعم. لكن القتل سيعود لاحقا إلى وتيرته السابقة وبصورة أشرس" يختتم إلياس حنا حديثه جازمًا.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

قبل سنة، كان السوريون يراقبون ثورات الربيع العربي تندلع في بلد تلو الآخر وهم يكتمون أنفاسهم، متوقعين وصول رياح التغيير إليهم، في حين كان النظام يصر على نفي إمكانية انتقال عدوى الاحتجاجات إلى بلده.

تطوي الثورة السورية عامها الأول بينما لا تبدو في الأفق أي علامة على يأس المحتجين من بلوغ غايتهم وهي إسقاط النظام, أو على تراجع الأخير عن سعيه لسحق الثورة التي بلغت كلفتها البشرية حتى الآن 8500 قتيل.

مع كل اجتماع لوزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي يعود الملف السوري ليفرض نفسه على أجندتهم. فبإضافة الأوروبيين خلال اجتماعهم اليوم لـ11 اسما إلى لائحة العقوبات، يكون الاتحاد قد فرض خلال سنة هي عمر الثورة السورية 13 حزمة من العقوبات على سوريا.

بعد عام من اندلاع الثورة يتفق محللون وبعض سياسيي المعارضة –ضمنا- على أن نظام الأسد ما زال متماسكا نسبيا بمواجهة معارضةٍ تتنازعها الخلافات ليس فقط على تصورها للمستقبل بل على طريقة إسقاط النظام وتسليح الثورة، والدور الأجنبي، وأولوية السياسي على العسكري.

المزيد من أزمات
الأكثر قراءة