أتقترب أزمة سوريا من النموذج البوسني؟

عملية عسكرية هي الأعنف ضد حمص
undefined
كثرت التساؤلات بعد اقتحام الجيش السوري حي بابا عمرو بحمصعن مآلات الثورة السورية التي تفصلها أيام عن إطفاء شمعتها الأولى، فهل وصلت إلى خواتيمها أم أن سيطرة الجيش على هذا الحي ستعطي السوريين دافعا للتوحد في سبيل إسقاط النظام الذي قتل منهم حتى الآن أكثر من 7500 منذ بداية الثورة منتصف مارس/آذار الماضي بحسب الأمم المتحدة؟

ولا يعتقد بعض المراقبين المهتمين بالشأن السوري أن هذه الثورة شارفت على نهايتها، إضافة إلى أن الرئيس بشار الأسد لن يستطيع استخدام حصار حمص نقطة انطلاق لإعادة فرض سيطرته على كافة أنحاء سوريا.

وكان الجيش السوري قد اجتاح حي بابا عمرو نهاية الأسبوع الماضي بعد نحو أربعة أسابيع من القصف المتواصل الذي خلف نحو ألف قتيل، في أثقل حصيلة من القتلى في منطقة واحدة منذ بداية الثورة. ووصف الموالون للأسد سيطرة الجيش على الحي بأنه كسر لمنطقة كان يتحصن فيها "إرهابيون" مدعومون من الغرب.

لكن خبراء يرون أن "وحشية النظام" ستؤدي في نهاية المطاف إلى حرب طويلة الأمد على الطريقة البوسنية، فضلا عن تعاظم انزلاق الثورة -التي بدأت سلمية على شاكلة الثورات في تونس ومصر- إلى مزيد من العسكرة.

وعن هذا يقول الصحفي اللبناني نبيل بومنصف إن فوز النظام السوري في معركة واحدة لا يعني أنه ضمن الفوز في الحرب، مذكرا أن الجيش احتاج إلى نحو شهر من حصار حمص وقصفها حتى استطاع دخول حي بابا عمرو، "فهذا ليس انتصارا عسكريا ساحقا". وأكد أن المعارضة ستواصل تحركاتها ولن تهدأ أو تتسامح أو تتراجع.

خبراء توقعوا أن يسعى الجيش الحر للحصول على مصادر خارجية لتزويده بالأسلحة الثقيلة والتمويل

السلاح والأموال
ويرى مراقبون أنه كان واضحا أن الجيش السوري سيهزم الجيش الحر المسلح بأسلحة خفيفة والمؤلف من الضباط والجنود المنشقين وبعض الثوار الذين حملوا السلاح للدفاع عن مدنهم وقراهم.

وهنا يوضح الباحث في الشؤون السياسية بمجموعة الأزمات الدولية بيتر هارليغ أن الجميع كان يتوقع سيطرة النظام على منطقة صغيرة كحي بابا عمرو بعد أسابيع من قصف عنيف بالأسلحة الثقيلة. ويضيف أن سيطرة الجيش على الحي لن يشكل منعطفا في الثورة بل تطورا في صالحها، لأن الثوار سيسعون للحصول على أسلحة ثقيلة وسيطالبون بها من خارج الحدود.

وفي السياق تقول سارة لي ويتسن من منظمة هيومن رايتس ووتش إن القصف المتواصل لحي بابا عمرو وتدمير الحي على رؤوس سكانه، لن يوقف الثورة بل سيؤدي إلى "تطرف المجتمع السوري".

تحليل ويتسن وافق عليه سلمان الشيخ من مركز بروكينغز في الدوحة قائلا إن الدمار والخراب الذي حل ببابا عمرو لن يؤثر في المظاهرات ولن يقتل الثورة، متوقعا أن تتوسع رقعة الاحتجاجات لتشمل الجغرافيا السورية "لأن هذا ليس قتالا مع جماعة الإخوان المسلمين أو منظمات أخرى، بل مع شعب بكامله".

وبينما يردد الأسد أن القوات الحكومية تحمي الشعب من العصابات المسلحة والإرهابية، تفرض هذه القوات عقابا جماعيا على المناطق التي تدعم الثورة والجيش الحر.

وعن هذا الموضوع يشرح هارلينغ أن النظام عندما سيطر على حي بابا عمرو لم يبذل أي جهد جدي للمحافظة على أرواح المدنيين، بل شن عليهم هجوما كان أشبه بعقاب جماعي.

والحال هكذا، يتوقع المراقبون أن يبقى الوضع على ما هو عليه، فالنظام سيستخدم مزيدا من القوة لإجبار المعارضة على الخضوع، والجيش الحر الذي يعتمد حتى الآن على الأسلحة الخفيفة المهربة، سيسعى للحصول على مصادر خارجية للأسلحة الثقيلة والتمويل.

وفي هذا الموضوع يقول خبراء عسكريون إن الجيش الحر قد يعتمد على "العمليات الانتحارية" ضد رموز النظام، خصوصا بعد ورود أنباء عن انضمام مسلحين من تنظيمات مسلحة إلى الثوار وتوقعات بالتحاق المزيد منهم قريبا.

الصراع في سوريا سيطول على الطريقة البوسنية ويصبح دمويا أكثر، وهذه هي الكأس المرة التي يحاول المجتمع الدولي تجنبها

سنوات طويلة
في سياق منفصل يشير الشيخ إلى أن بشار وشقيقه ماهر -قائد الفرقة الرابعة- يكرران ما فعله والدهما حافظ وشقيقه رفعت بحماة حين قتلت القوات التابعة لهما أكثر من عشرين ألف شخص خلال سحقهم لانتفاضة شعبية في المدينة قادها الإخوان المسلمون "يقرؤون بالكتاب ذاته، ولكن هذه المرة سيتسلح الشعب ليدافع عن نفسه".

ورغم أن نظام الأسد لا يزال متماسكا مع غياب الانشقاقات الدبلوماسية أو السياسية ناهيك عن ولاء الجيش له، يرى بعض الخبراء أن الوحدات العسكرية الموالية للنظام انحسرت بشكل كبير وبات يعتمد بطريقة شبه كاملة على الفرقة الرابعة وفرقة الحرس الجمهوري اللتين يتألف جل عناصرهما من العلويين.

أما باقي فرق الجيش التي تقاد في غالبيتها من ضباط ينتمون إلى الطائفة العلوية، فضباط من ذوي الرتب الدنيا وجنود جلهم من الطائفة السنية، وهذا ما يظهر بوضوح في الانشقاقات المتزايدة عن الجيش.

وخلاصة لكل ما تقدم ومع غياب الحل السياسي خصوصا أن المعارضة دأبت على تسمية "إصلاحات" الأسد بأنها سطحية وغير مناسبة ومتأخرة، فضلا عن الفيتو الروسي الصيني المزدوج الحاضر في مجلس الأمن، يرى الخبراء أن الصراع في سوريا سيطول على الطريقة البوسنية ويصبح دمويا أكثر، وهذه هي الكأس المرة التي يحاول المجتمع الدولي تجنبها.

وهذا السيناريو يشير إليه سلمان الشيخ بالقول إن الصراع يتجه نحو أزمة طويلة الأمد، وهذا ما يجبر المجتمع الدولي على بذل المزيد من الجهد، لكن الخوف أن تتجه الأزمة في سوريا نحو النموذج البوسني الذي استغرق حل أزمته سنوات طويلة.

المصدر : رويترز