المحلاوي: مبارك أسوأ رؤساء مصر

خطيب الثورة الشيخ أحمد المحلاوي

أحمد عبد الحافظ-الإسكندرية

"خطيب الثورة" هو اللقب الذي يحلو للعديد من المواطنين إطلاقه على الشيخ أحمد المحلاوي، بعد دوره البارز في إشعال حماس الشباب المشاركين في مظاهرات ثورة 25 يناير التي انطلقت من مسجد القائد إبراهيم وسط محافظة الإسكندرية شمالي مصر.

ويعد المحلاوي (86 عاما) خريج جامعة الأزهر عام 1957 ورئيس لجنة الدفاع عن المقدسات الإسلامية، أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في مصر بشهادة مختلف التيارات الإسلامية.

وفي حوار خاص للجزيرة نت، تحدث المحلاوي عن الثورة المصرية المعروفة إعلامياً بثورة "25 يناير"، وقال إنها حققت جزءا من أهدافها بعدما تخلص الشعب من النظام المستبد وعليه التخلص من بقايا رموزه، واصفا الرئيس المخلوع حسني مبارك بأنه أسوأ رؤساء مصر.

وقال إن الحل في الأزمة الراهنة التي تشهدها ليبيا هو تنحي القائد معمر القذافي وترك مقاليد الحكم للشعب ليحدد مصيره، مؤكدا أنه لا يعول أبداً على الحكام العرب في حقن دماء شعوبهم والاستئثار بالسلطة. وفي ما يلي نص الحوار:

بداية نريد أن نعرف أهمية مسجد القائد إبراهيم الذي ارتبط بالثورة وبالشيخ المحلاوي رغم ابتعادك عن منبره لأكثر من 15 عاما؟

- مسجد القائد إبراهيم يعد أحد أهم وأشهر مساجد الإسكندرية إن لم يكن أشهرها على الإطلاق، ليس فقط بسبب جذبه المصلين من جميع أحياء المدينة الساحلية، وإنما لما عرف لدى سكان المدينة بأنه مكان تجمع وانطلاق المظاهرات على مدار 18 يوما هي عمر الثورة المصرية التي انتهت بتنحي الرئيس حسني مبارك وعلى مدار السنوات الأخيرة، وتحولت ساحته إلى منبر إعلامي متميز يعبر عن هموم ومشاكل الوطن والأمة الإسلامية.

ما سبب منعكم من الخطابة خلال الفترة السابقة التي امتدت لأكثر من 15 عاما؟ وهل كان للثورة دور في ذلك؟

- في أيام الرئيس الأسبق أنور السادات كان اعتراضي الشديد على مخالفاته، وإن كان أبرزها التوقيع على معاهدة "كامب ديفد" وزيارته لإسرائيل التي قلت إنها خيانة، وعقدت المؤتمرات تنديدا بهذه المؤامرة، واتهمته بالتخلي عن القضية الفلسطينية والعرب ومخالفة الإسلام بارتكابه هذا الخطأ الجسيم الذي أثبته التاريخ. وفي عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك أمر إيقافي جاء من أميركا وليس من مصر، وتم بعد خطب تحدثت فيها عن إسرائيل وأميركا.

وكيف عدتم إلى المسجد بعد تخلصكم من قرارات المنع؟

- في عهد السادات كنت موظفاً بالأوقاف، لذلك حين تم إيقافي أقمت دعوى قضائية عقب خروجي من السجن وعدت إلى المنبر لأنني كنت صاحب حق، أما في المرة الأخيرة فقد تم منعي من الخطابة منذ عام ١٩٩٦ إلى أن عدت مع الثورة المباركة.

برأيكم لماذا ثار المصريون بهذه الطريقة بعد كل هذا الزمن من الاستبداد؟

- هذا الأمر من طبائع البشر، فغضب الصبور هو الأشد، والتاريخ يؤكد أن الشعب المصري لديه القدرة على التحمل لأطول وقت ممكن ثم ينفجر في وجه من ظلمه وأفسد حياته واستبد بالحكم.

البعض يرى أن الثورة التونسية ألهمت المصريين القيام بثورتهم، فما تعليقكم؟

- بالطبع نجاح الثورة التونسية في إجبار الرئيس زين العابدين بن علي على التنحي والفرار، ألهم المصريين وأعطاهم الثقة في قدرة الشعوب على استعادة حريتها وكرامتها، إلا أن هناك عوامل داخلية أطلقت شرارة الغضب في قلوب كل المواطنين، منها حصول الحزب الوطني على كل مقاعد مجلس الشعب بالتزوير، وهو ما يمكن أن يطلق عليه "غباء" أدى إلى قتل النظام، بالإضافة إلى حادث مقتل الشاب السكندري خالد سعيد على أيدي شرطيين ووقوف كافة أجهزة الدولة بجانبهما لمحاولة عدم تعريضهما للعقاب.

وهل هذه الأمور كافية لإطلاق ثورة شارك فيها أكثر من 10 ملايين مواطن؟

- هذا هو المشهد الأخير، لكنه مبني على عوامل هامة، مثل ذوبان الطبقة الوسطى من المجتمع واختفائها بسبب الخلل الفاضح في توزيع الثروة، والذي أدى إلى تمتع 5% من المواطنين بأكثر من 80% من الثروة، ووجود أكثر من نصف الشعب تحت خط الفقر، الأمر الذي جعل الأمور لا تحتمل.

من وجهة نظركم هل حققت الثورة أهدافها التي قامت من أجلها؟

- في الحقيقة تحقق الجزء الأكبر من الأهداف، لكنها لم تنته من المطالبة بتنفيذ باقي مطالبها حتى الآن، والمتمثلة في إطلاق الحريات بكافة أنواعها، ووجود نظام سياسي مؤسسي قائم على دستور يرضى عنها كل المصريين.

ما رؤيتكم للوضع الذي ستكون فيه مصر مستقبلا بعد نجاح الثورة؟

- الشعب المصري استطاع التخلص من الطاغية ويقوم حالياً بالتخلص من بقايا نظامه المستبد، وكانت البداية بإسقاط الحكومة التي اختارها الرئيس السابق، وعليه الآن إعادة بناء الاقتصاد الوطني وبناء مؤسسات الدولة مرة أخرى، بعد مرور عشرات السنين من الفساد وإهدار مكانة مصر بين دول العالم.

وجهت إلى الأزهر انتقادات كثيرة في الفترة الأخيرة بسبب تراجع دوره.. ما تعليقكم؟
 
- مؤسسة الأزهر رغم ما لحق بها من أضرار على أيدي أتباع النظام البائد عبر عشرات السنوات، فإنها الأقوى بين المؤسسات الدينية في العالم، وعليه أن يطهر نفسه عبر تصحيح الأوضاع داخله لكي يقوم بدوره داخل وخارج مصر كمدرسة دينية عالمية، وتعديل لائحته وإقرار مادة تنص على أن يكون منصب شيخ الأزهر بالانتخاب المباشر من أعضاء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وشيوخ وعلماء الأزهر، وليس بالتعيين من رئيس الجمهورية.
 
ما رأيكم في إثارة الآراء حول مصير المادة الثانية من الدستور ؟

- المادة الثانية من الدستور تنص على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وهي غير مطروحة للتعديل من الأساس، ولم يطالب أحد بالاقتراب منها، وأرى أن من يطالبون بالمساس بها هم من يريدون خرق صف ووحدة المواطنين ومطالب الثورة.

هل ترون أن أتباع الدعوة السلفية يعملون ضد أهداف الثورة؟ 

- السلفيون رفضوا المظاهرات في البداية وقالوا إنها تمثل خروجا على الحاكم، ثم طالبوا الشباب بالابتعاد عنها، ثم بعد نجاحها يحاولون شد انتباه المواطنين إلى موضوعات أخرى غير مطالبهم، بالرغم من أن أحدا لم يتطرق إلى تعديل مادة الشريعة الإسلامية.

البعض يراهن على تأجيج الفتنة الطائفية خلال الفترة القادمة، هل توافقون على ذلك؟

- إطلاقاً، فالفتن الطائفية كان المتسبب فيها وزارة الداخلية وجهاز مباحث أمن الدولة وفروعه في كل المحافظات المصرية، وقيادات الأمن الذين كانوا يحاولون تفريق المصريين عبر افتعال الأزمات بين المسلمين والمسيحيين وبين الشباب والكبار وبين الرجال والنساء وغيرهم.

ما رأيكم في المظاهرات الفئوية التي اندلعت مؤخرا؟ وهل تهدد فعلا مكاسب الثورة؟

- المظاهرات الفئوية أصحابها مظلومون حقا مثل بقية الشعب، ولم يكونوا وحدهم المضارين، ورغم مطالبهم المشروعة فإن الأمر يتطلب الصبر والانتظار، فالثورة قامت لشيء واحد هو إطلاق الحريات وإزاحة الكابوس الذي جثم على صدورهم وكمم أفواههم واعتقل ألسنتهم، خاصة أن الاقتصاد المصري في غاية الصعوبة ولا يتحمل تعطيل المصالح والإنتاج،الأمر الذي يقضي بدون شك على مكاسب الثورة.

من وجهة نظركم ما هي الطريقة المناسبة للتعامل مع بقايا وأعضاء النظام السابق؟

- أطالب بتنحي كل من ارتبط بالنظام السابق والحزب الوطني عن العمل السياسي في الفترة المقبلة بشكل قانوني، لمنع كل ما من شأنه الارتداد عن الثورة ومكتسباتها، لكن دون استخدام الأحكام الاستثنائية التي طالما استخدمها النظام البائد لقمع معارضيه ومنعهم من العمل السياسي تحت دعوى الصالح العام والأمن العام وغيرها من المفردات التي ليس لها معنى غير تثبيت حكم الفاسدين والمستبدين.

لماذا طالبتم في خطبكم أكثر من مرة بمنح الشرطة المصرية فرصة لتصحيح أوضاعها؟

- هذا صحيح كي تعود الحياة إلى طبيعتها لا بد من تصحيح أوضاع مؤسسات الدولة التي تخاذلت عن القيام بدورها، وساعدت على استمرار إمداد النظام المستبد وتقويته أمام الشعب الذي من المفترض أنه مصدر السلطات كما ينص الدستور. أما وزارة الداخلية وجهاز الشرطة فعليها تطهير نفسها عبر محاكمة كل من تورط من أفرادها في جرائم وانتهاكات ضد المواطنين، واعتذار باقي أفرادها للمواطنين وبدء مرحلة جديدة من العلاقة القائمة على احترام كل طرف للآخر في ظل سيادة القانون ومواد الدستور الذي يرضى عنه جميع المواطنين.

وهل يقبل المواطنون بوجود الشرطة مرة أخرى بعد هذه الخطوات؟

- دور الشرطة الحقيقي هو الجهاد في سبيل الله وحماية الوطن، وهو من أعظم الأدوار التي يمكن أن يقوم بها الإنسان، لكن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبوها في السنوات الأخيرة شوهت هذه الصورة المضيئة التي كان من المفترض أن تكون لهم، وأطالب جموع المواطنين بقبول اعتذارهم والتعاون معهم على حفظ الأمن، إذا ما قاموا بتطهير أنفسهم ومحاكمة المجرمين الموجودين بين صفوفهم وعزلهم نهائياً من وزارة الداخلية.  

وماذا تقول للشهداء الذين فقدوا أرواحهم لتغيير وجه التاريخ في بلادهم وأسرهم؟

- أبطال الثورة الحقيقيون هم من قدموا أعز ما يملكون فداء لكل المصريين، ولا توجد كلمات تكفي لإعطائهم ما يستحقون من الحب والاحترام والتقدير، وحسبهم ما وجدوه عند الله من أجر وثواب ونعيم، وأقول لأسرهم إننا لا نعزيكم لكننا نحييكم، وعليكم أن تفخروا بأنفسكم وبأولادكم وأن تحذوا حذوهم وتسلكوا طريقهم نحو الشهادة والجنة.

عاصرتم تقريبا آخر رؤساء الدولة المصرية.. ما تقييمكم لآخر ثلاثة حكموا البلاد؟

- عصور رؤساء مصر الثلاثة كانت تتسم بالقمع والظلم والاستبداد، لكن عهد الرئيس مبارك هو الأسوأ على الإطلاق، حيث كانت فترة عبد الناصر تتسم ببطش كل المواطنين، وعهد السادات هو عهد القوانين سيئة السمعة، ومبارك جمع بين كل ما هو سيئ، بعدما طالت مدته وكثر فساده حيث كان قميئاً وعميلاً، وعمل بكل جهده على إفقار الاقتصاد المصري والقضاء على المشاريع القومية وإنعاش الاقتصاد الإسرائيلي، وقام بتجويع وحصار الشعب الفلسطيني الأعزل لحماية الكيان الصهيوني المغتصب.

ما الفارق بين ثورة 25 يناير والثورات العربية وبين الثورات الأخرى التي شهدها الوطن العربي؟

- الثورات التي تقوم في البلدان العربية في الوقت الحالي هي الأولى تاريخياً  لكونها تقوم وتنجح وفقاً لأجندات أصحابها وضد مصالح الدول الغربية التي تسعى دائماً لامتلاك السيطرة على دول الشرق الأوسط عبر تولي من يدين لها بالولاء قيادتها والحكم فيها، حيث إن الدول العربية عاشت عقودا طويلة من الاحتلال غير العسكري، إلى أن قررت الشعوب الثورة على الحكام المستبدين والفاسدين عن طريق القوة الشعبية الضاغطة.

برأيكم هل تتدخل الحكومات والأنظمة الغربية في اختيار الشعوب العربية لحكامها أم لا؟

- الغرب له دور كبير في إرساء الأوضاع المتخلفة في البلدان العربية والإسلامية لأسباب سياسية وفكرية واقتصادية، وأستطيع أن أجزم بما لا يدع مجالاً للشك أن كل حاكم عربي هو عميل لإحدى الجهات الغربية التي تساعده ضد مواطنيه ويساعدها.

نريد أن نعرف رأيكم في الشأن الليبي والحل لخروج ليبيا من المأزق الحالي؟

- الحل الوحيد هو تنحي العقيد معمر القذافي "المختل عقلياً" حقنا للدماء إلى جانب تضافر وتضامن الشعوب العربية مع إخوانهم في ليبيا الذين يتعرضون لإبادة جماعية على أيدي رجال ومرتزقة النظام الحاكم، وفي نفس الوقت عدم انتظار أي حل من الدول الغربية ومؤسسات الأمم المتحدة التي تعمل وفق مصالحها الشخصية. وأطالب حكام الدول العربية بالانصياع إلى مطالب شعوبهم، والابتعاد عن الغرور والغطرسة والتمسك بالحكم.

المصدر : الجزيرة