متاهة الأحزاب السياسية في تونس

مقر التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم سابقا المتهم بشل الحياة السياسية في البلاد
(الجزيرة نت)

مراد بن محمد-تونس

أصدرت ثورة الشعب التونسي شهادات ميلاد بالجملة لعدة أحزاب سياسية جديدة، وإذا كان بعض هذه الأحزاب ينتظر التأشيرة النهائية للعمل فإن واقع الفسيفساء الحزبية مكتمل.

ويرى المراقبون أن وجود 40 حزبا بين مرخص وآخر ينتظر الترخيص، مرتبط بالدرجة الأولى بالكبت السياسي القائم منذ خمسة عقود، بل يذهب البعض إلى حد القول "إن الأمر طبيعي بما أن تونس قبل الثورة لا تنشط بها أحزاب بل أجهزة أمنية" و"ذيول للسلطة".

غير أن "نعمة الحرية" أوجدت أحزابا لا يفرق بينها إلا بالمقر -وبعضها لا يملكه حتى الآن- مما دعا التونسيين إلى التندر عن هذه الحالة بالقول "لا تنخرط في حزب بل أسس حزبا".

فسيفساء
ولم يعد منطق التيار الأيديولوجي هو الذي يحكم هذه الأحزاب بل أصبحت تتماثل تقريبا في الفكر والمنهج وحتى في الاسم.

وينتظر أن يجد الناخبون حرجا كبيرا في التفريق بين أحزاب مثل حركة البعث بقيادة عثمان بالحاج علي التي حصلت على ترخيص، وحركة البعث بقيادة خميس الماجري، وحزب تيار البعث، وحزب البعث العربي الاشتراكي، وحزب حركة العروبة والتنمية (بعث سوري) التي تنتظر جميعها الترخيص.

كما أن المشكلة نفسها ستتكرر مع حزب "حركة الوطنيين الديمقراطيين"، و"حركة الوطنيون الديمقراطيون"، إضافة إلى حزب العدالة والتنمية برئاسة عبد الرزاق الحرباوي الذي يتشابه اسمه مع ستة أحزاب أخرى تمزج بين اسمي العدالة والتنمية.

وتوقع الصحفي بصحيفة "الشروق" التونسية خالد الحداد أن يتعزز المشهد الحزبي بستة أحزاب جديدة تولد "من رحم  حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم سابقا".

العبيدي "الحزب الذي يعكس هوية المواطن سيبقى والبقية ستندثر" (الجزيرة نت)

"سوق عكاظ"
ويرى الدبلوماسي والمحلل السياسي التونسي عبد الله العبيدي أنه من الطبيعي أن تشهد تونس في هذه الفترة حالة "تشبه سوق عكاظ الأحزاب"، مضيفًا أن كل حزب سيحاول عرض ما أسماه بالبضاعة، وأمر بقائه مرهون "برواج هذه البضاعة أو برنامجه في أول محطة انتخابية".

وهو أمر يدعمه أستاذ القانون الدستوري بالجامعة التونسية قيس سعيّد، الذي لاحظ أن غياب الأحزاب في السابق بحكم أنها كانت تعمل "كتنظيمات موازية لتنظيم الدولة أشبه بالأجهزة الأمنية والتعبوية"، خلق هذا الكم الهائل من الأحزاب في أول فرصة.

وأضاف أن غياب فضاء التحرك السياسي خلق أحزابا ليس لها بالضرورة امتداد فكري داخل المجتمع، وأن هذه الأحزاب ستخضع "للانتقاء الطبيعي عبر صناديق الاقتراع".

وأكد سعيّد أن الساحة السياسية ستعرف ولادة أحزاب جديدة قد تصل إلى المائة، معتبرًا أن هذا أمر طبيعي شريطة أن يقبل الجميع بالبقاء داخل المنظومة السياسية، وأن يقبل كل تيار الآخر في انتظار "الغربلة".

الحداد توقع ميلاد ستة أحزاب جديدة
من رحم التجمع بعد حله (الجزيرة نت)

تيار لا حزب
ويتوقع الحداد أن تتشكل الحياة السياسية في النهاية بخارطة تتضمن الأحزاب التقليدية المعروفة بتجربتها ومكانتها وهي أساسا حركة النهضة، وحركة التجديد، والحزب الديمقراطي التقدمي، وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين، مع انتظار مصير التجمع الذي لا يمكن تصوره خارج المشهد المقبل.

لكن قيس سعيّد يقلل من أهمية التحدث عن "الأحزاب التقليدية" أو الأحزاب التي لها خبرة في التنظيم، ويقول إن التجمع ليست له عقيدة سياسية أو مرجعية فكرية، مرجحا أن يقتصر البقاء على تيارين سياسيين يمثل الأول تاريخ تونس الداعي إلى الحداثة، ويمثل الثاني التيار الداعي إلى التركيز على الهوية والانتماء العربي الإسلامي لتونس.

ويشدد العبيدي في نفس هذا السياق على أن الأحزاب التي ستبقى هي التي ستفهم أن الثورة لم تكن "ضد النظام فقط وإنما ضد المثقفين الذين لم يحترموا المقومات الأساسية لهوية المواطن العربية والإسلامية".

كما لم يستبعد العبيدي فكرة ظهور حزب بأفكار مغمورة تلقى نجاحا بين صفوف الناخبين الذين سيقررون في النهاية من سيبقى، وفق مزايا فترة الحرية الحالية.

ويبقى السؤال بشأن إمكانية أن تستقطب هذه الأحزاب السياسية الفئات العمرية الشابة -خاصة بعد خفض سن الانتخاب إلى 18 سنة- التي طالما قالت إنها لا ترى نفسها في برامج الأحزاب.

المصدر : الجزيرة