جيش مصر يضمن المرحلة الانتقالية

 المجلس الأعلى للقوات المسلحة في أول اجتماع له بلا رئاسة مبارك (الجزيرة)

بعد نحو 60 عاما -من أول مرة هيمن فيها الجيش المصري على السلطة في البلاد بشكل مباشر في ثورة يوليو عام 1952-، عادت السلطة إلى الجيش من جديد، من حيث لم يخطط، فهو قبل ستة عقود قاد الثورة فاستحق السلطة، لكنه اليوم تفاجأ بالثورة الشعبية مثل الجميع، فاكتفى بدور الضامن الذي تعهد بنقل السلطة إلى نظام سياسي مدني منتخب، كاستحقاق تاريخي للشعب المصري بعد ثورته.
 
تسلم الجيش المصري مجسدا بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة السلطة من الرئيس المخلوع حسني مبارك الذي أجبرته الثورة الشعبية غير المسبوقة في تاريخ مصر على التنحي، ليدير البلاد بعد أن أدى خلع مبارك إلى انهيار شامل للنظام السياسي برمته ممثلا بالحكومة والمجالس النيابية وسواها، وهو ما يعني أن الجيش سيقوم بقيادة شؤون البلاد في مرحلة انتقالية يفترض أن تنتهي بانتخابات تشريعية ورئاسية ووضع دستور جديد.
 
ولم تتضح بعد معالم ما سيقوم به الجيش لينجز كل هذه المهام التاريخية الضخمة التي تعني فيما تعنيه انتقال السلطة لأول مرة في تاريخ مصر الحديث إلى نظام مدني منتخب، لكن بيانا للمجلس الأعلى للقوات المسلحة حمل الرقم ثلاثة تحدث عن دراسة "اتخاذ خطوات لتحقيق طموحات الشعب" من غير إيراد تفاصيل، وكان البيان واضحا في أن القوات المسلحة المصرية لم تعد مصدر قادة البلاد كما ظلت طيلة ستة عقود، حيث أشار إلى أن هذه القوات "لن تكون بديلا عن الشرعية التي يرتضيها الشعب".
 
ومن المتوقع حسب محللين مراقبين أن يقوم المجلس بإقامة هيئة لإدارة البلاد مكونة من شخصيات مدنية وطنية وتشكيل حكومة انتقالية من التكنوقراط ولجنة لكتابة الدستور أو تعديله وأخرى للإشراف على الانتخابات المقبلة.
 
تشكيل المجلس
والمجلس الأعلى للقوات المسلحة هو أعلى قيادة للجيش المصري عاشر أكبر جيش في العالم، وحسب الدستور، فإن رئيس الجمهورية هو من يرأس المجلس قائدا أعلى للقوات المسلحة، يليه في تسلسل القيادة وزير الدفاع بوصفه القائد العام للقوات المسلحة، لكن بعد خلع الشعب لمبارك، آلت القيادة العليا لوزير الدفاع المشير محمد حسين طنطاوي بصفة مؤقتة.
 
يتكون المجلس فضلا عن وزير الدفاع من رئيس الأركان وهو حاليا الفريق سامي عنان، ومن قادة الأسلحة الأربع وهي القوات البرية والجوية والبحرية والدفاع الجوي، وكذلك من قادة المناطق المركزية وأفرع القوات المسلحة، فضلا عن قائدي المخابرات الحربية والتوجيه المعنوي، ويتولى المجلس بصفة أساسية التخطيط الإستراتيجي للقوات المسلحة في حالي السلم والحرب، بما في ذلك توجيه العقيدة العسكرية للجيش وإقرار نظم التدريب والتسليح والتجهيز، وكذلك الإشراف على إدارة الجيوش في حال الحرب أو الصدامات العسكرية وحماية الأمن القومي من أي تهديدات خارجية.
 
النزول للشارع

"
كانت العلامة
الفارقة هي أن الدبابات التي ملأت الشوارع تجنبت أي صدام مع الشعب الذي هتف للجيش منذ البداية، فكان تلاحم أسهم بشكل فاعل في سقوط النظام حتى وإن لم يخطط الجيش لذلك
"

وقد برز اسم المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر خلال ثورة الخامس والعشرين من يناير، بعد أن سحب قوات الشرطة والأمن من الشارع بشكل مفاجئ ومريب عقب مصادمات عنيفة مع المتظاهرين الثائرين يوم 28 يناير/كانون الثاني، فبعد أن تسبب هذا الانسحاب بانهيار لمقومات الأمن في البلاد، نزل الجيش إلى الشارع ليتولى دور الشرطة، لكن العلامة التي كانت فارقة هي أن الدبابات التي ملأت الشوارع تجنبت أي صدام مع الشعب الذي هتف للجيش منذ البداية، فكان تلاحما أسهم بشكل فاعل في سقوط النظام حتى وإن لم يخطط الجيش لذلك.
 
ورغم التساؤلات التي أثارها حياد الجيش عندما تعرض الثوار في ميدان التحرير لاعتداءات (البلطجية) من مؤيدي مبارك يوم الثاني من فبراير/شباط فإن المصريين الذين طالما اعتبروا الجيش خط دفاعهم الأخير في مجمل تاريخهم المعاصر، ظلوا على ثقتهم بالقوات المسلحة، وهو الأمر الذي تلقفه الجيش بدوره، حيث حرص المجلس الأعلى للقوات المسلحة خلال كل فترة الثورة على تأكيد أنه لن يقف بوجه الشعب، وأصدر بيانات متعددة حاول خلالها أن يوازن مهمته الدقيقة والحرجة بين أن يحمي متظاهرين ينادون بسقوط النظام ونظام يتوجب أن يتولى هو حمايته.
 
التوازن الحرج
وكانت العلامة الفارقة في تاريخ إدارة المجلس الأعلى للقوات المسلحة للأحداث أثناء الثورة، حينما أصدر بشكل مفاجئ البيان رقم واحد يوم العاشر من فبراير/شباط، وذلك قبل قليل من كلمة للرئيس المخلوع فوض فيها سلطاته لنائبه عمر سليمان.
 
وفي محاولة لإبقاء التوازن الحرج بين الشعب الثائر والسلطة التي استمر الجيش في التعامل معها كشرعية وحيدة علنا على الأقل، أصدر يوم 11 فبراير/شباط البيان رقم 2 الذي أعلن فيه رفع حالة الطوارئ حالما تنتهي ما وصفه بالظروف الراهنة، وجملة إجراءات أخرى أوحت بوضوح بأنه بدأ مرحلة استلام السلطة قبل أن يعلن نائب الرئيس عن تخلي مبارك عن السلطة وإحالتها للمجلس الأعلى للقوات المسلحة.
المصدر : الجزيرة