احتراق موريتاني يشعل الساحة السياسية

سيارة دحود بعد اشتعالها (الجزيرة نت)

أمين محمد-نواكشوط
 
بدأت شظايا عملية الاحتراق التي نفذها شاب موريتاني ضد نفسه وسيارته تتطاير في جنبات الساحة السياسية مخلفة المزيد من الجدل السياسي وردات الفعل في بلد كان أصلا مهيأ لأمر من هذا القبيل بحكم حالة الاستقطاب السياسي، وشدة التجاذب بين طرفيه منذ الانقلاب الذي وضع حدا للنظام السابق في العام 2008.
 
ورغم أن الشاب المحترق يعقوب ولد دحود لا يعرف له سابق انتماء سياسي، فإن رسالته التي أودعها مطالبه ونشرها في صفحته على فيسبوك لأقل من ساعة قبل احتراقه حملت جملة من المطالب السياسية والاجتماعية عنونها بـ"كفى فسادا، كفى ظلما".
 
وطالب فيها بخفض الأسعار، ورفع الضرائب والرسوم عن المواد الغذائية، وإجراء تعديلات دستورية تمنع انتخاب العسكر لرئاسة الجمهورية من بين جملة مطالب ومقترحات، قبل أن يختم بالقول "إن نجحت فذلك من أجلك يا شعبي، وإن فشلت فعليك أن تحاول أنت يا شباب مستقبل موريتانيا أن تنجح في ما فشلت أنا فيه".
 
ولم تفوت منسقية المعارضة هذه الفرصة، حيث اعتبرت أن إضرام ولد دحود النار في نفسه "بعد أن ثارت حفيظته من ظلم النظام وحيفه الفادح"، بينما يهدد شاب آخر "بالعمد إلى نفس التصرف احتجاجا على البطالة وتردي المعيشة"، وفي الوقت نفسه الذي "يتضور فيه شباب آخرون جوعا في أحياء الصفيح، ويخرج التلاميذ في مظاهرات شبه يومية في نواكشوط تنديدا بارتفاع الأسعار وسوء تدبير النظام، فإن كل ذلك منبئ بأن الوضع أصبح "بالغ الخطورة".
 
رحيل النظام
ولم تكتف أحزاب المعارضة بموقف المنسقية، فقد بادر حزب التكتل الذي يرأسه زعيم المعارضة أحمد ولد داداه بالتأكيد على أن البلد على "فوهة بركان" قابل للانفجار في أي لحظة، بسبب ظلم النظام وتماديه في الفساد والصفقات المشبوهة ونهب المال العام والاستئثار بمقدرات الشعب واحتقاره وتجويعه وإقصائه وتهميشه بل وابتكار أنواع جديدة من العبودية، حيث إن الكثير من مؤسسات الدولة أصبحت لا تدفع للموظفين رواتبهم".
 
ورأى الحزب أن كل تلك الأسباب هي التي دفعت بولد دحود إلى إحراق نفسه، قبل أن يسجل تضامنه مع أسرة الحريق، ويطالب السلطة بالرحيل لأنها بحسبه صارت "خطرا على وحدة البلاد وسلامة أمنها وديمومتها، قبل أن تضرب صدورها وتقول إنها فهمتنا، فحينها لن ينفعها فهم ولا ضرب ولا إرباك".
 
أما رئيس حزب اتحاد قوى التقدم فرأى أن إقدام شاب وطني كفؤ وناجح في حياته على ذلك دليل على أن حجم الظلم والإقصاء في هذا البلد لم يعد يطاق.
 
في حين اعتبر الوزير السابق والقيادي المعارض أحمد ولد سيدي بابه في مقابلة مع صحيفة محلية أنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه "فإن البلاد تتجه نحو الثورة والاضطراب، ودعا لتفادي ذلك إلى فتح الحوار ورفع المظالم وخفض الأسعار.
 
متاجرة رخيصة
وبينما لا زالت الحكومة تلتزم الصمت إزاء العملية لوحظ أن وسائل الإعلام الرسمية حرصت على نقل الخبر، واكتفت وكالة الأنباء الرسمية بعد نشرها للخبر بالقول إنه "لم تعرف بعد دوافع محاولة انتحار ولد دحود، وهو رجل أعمال في مجال الزراعة والأدوية"، ونسبت إلى ذويه قولهم إنه "يتمتع بوضع مادي جيد ويعيش حياته بصورة طبيعية".
 
لكن الناطق باسم الحزب الحاكم المختار ولد عبد الله علق على تصريحات المعارضة حول الحادثة بقوله في تصريح وصلت الجزيرة نت نسخة منه إنها "متاجرة رخيصة بآلام ومعاناة أسرة موريتانية نأسف جميعا لمصابها الأليم جراء إقدام ابنها على إضرام النار في نفسه وسيارته في ظروف نترك للموريتانيين التعليق عليها حتى لا نساهم في نكء الجروح وفي التلاعب بالخواطر والعواطف المكلومة".
 
وقال ولد عبد الله إن متاجرة المعارضة "غير الأخلاقية بمصائب المواطنين وآلام الشعوب الشقيقة" تنم عن إفلاس في الخطاب السياسي، فضلا عن كونها "لا تمت بأي صلة للقيم والثوابت الدينية والسياسية لهذا الشعب الذي يسعون إلى معاقبته على عدم منحهم الثقة لتسيير شؤونه".
 
وعلى الجبهة الرسمية أيضا اجتمع الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز باتحاد الأئمة، وكشفت وسائل إعلام محلية أنه طالبهم في اللقاء باستنكار لجوء الشباب إلى قتل النفس، وتبيين أن ذلك مخالف للشرع.
المصدر : الجزيرة