عـاجـل: بيان لهيئة الحشد الشعبي في العراق: ليس لنا خيار سوى الدفاع عن أنفسنا بما نملك من أسلحة

هيرش ينتقد تغطية الإعلام الأميركي لشؤون الشرق الأوسط

سيمور هيرش متفائل بشأن تأثير الصحافة في المستقبل على مجريات الأمور (الجزيرة)

المحفوظ الكرطيط-الدوحة

يعتبر الصحفي الأميركي سيمور هيرش أحد كبار رموز صحافة الاستقصاء في العالم على مدى العقود الثلاثة الماضية. وقد اشتهر هيرش في المشهد الإعلامي العالمي عندما كشف عام 1969 ما أصبح يعرف بمذبحة "ماي لي" التي قتل فيها أكثر من خمسمائة مدني فيتنامي على أيدي جنود أميركيين، وكشف أيضا أسرار الترسانة النووية الإسرائيلية في كتاب له صدر في أوائل التسعينيات من القرن الماضي.

وفي السنوات الأخيرة أصبحت تحقيقات هيرش في مجلة "نيويوركر" تشكل مصدر إحراج حقيقي لسياسات الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس جورج وبورش وخاصة خططها في منطقة الشرق الأوسط. في عام 2004 عاد هيرش للواجهة بكشف فضيحة التعذيب الذي تمارسه القوات الأميركية في سجن أبو غريب بالعراق وألف كتابا يعري خلفيات السياسة الأميركية منذ عام 2001 بعنوان "سلسلة القيادة: الطريق من 11 سبتمبر إلى أبو غريب".

بفضل مصادره الكثيرة في مختلف دواليب الإدارة الأميركية يمتلك هيرش دراية واسعة بالإستراتيجيات ومخططات الإدارة الأميركية. وخلال مساره المهني الطويل ألف هيرش عددا من الكتب وحصل على عدة جوائز تقديرية بينها جائزة بوليتزر مكافأة لتميزه المهني في تناول عدة قضايا تهم الرأي العام الأميركي والعالمي.

في لقاء مع الجزيرة نت على هامش منتدى الجزيرة الإعلامي الثالث ينتقد هيرش أداء كبرى وسائل الإعلام الأميركية في تغطية الأوضاع في الشرق الأوسط خلال السنوات القليلة الماضية ويدافع عن دور الصحافة وخاصة صحافة الاستقصاء في التأثير على مجريات الأمور في جميع أنحاء العالم وبصفة خاصة في منطقة الشرق الأوسط.

في كلمتكم بمنتدى الجزيرة الإعلامي الثالث قلتم إن الصحافة كفاح من أجل تحسين الأمور، هل تعتقدون أن للصحافة تأثيرا على مجريات الأمور في الولايات المتحدة حاليا؟

بطبيعة الحال أقول إن للصحافة تأثيرا على مجريات الأمور في الولايات المتحدة. لكن الأمور ليست كذلك في الوقت الحاضر في ظل حكومة غريبة لأن إدارة الرئيس جورج بوش ونائبه ديك تشيني لا تبالي كثيرا بما تقوله الصحافة.

الرئيس بوش منفصل عن الصحافة وفي ظل حكمه لا أعتقد أن الصحافة ستؤثر بشكل كبير على تطورات الأمور. لكن بصفة عامة الصحافة لها تأثير كبير في جميع أنحاء العالم. ويعتبر الشرق الأوسط من المناطق التي يمكن للصحافة أن تلعب دورا فعليا خاصة في ظل التقاليد السائدة في المنطقة والمتمثلة في احتكار الحكومات لوسائل الإعلام.

وهنا أسوق نموذج العربية السعودية التي تمول صحفا كبرى تصدر في أوروبا. هذا لا يعني أن كل ما ينشر هو دعاية لكن هناك أخبارا ووقائع.

وهكذا فظهور صحافة مستقلة سيساعد على تغيير مجريات الأمور في المنطقة. وعموما أقول أن الصحافة القوية شيء مهم. وفي الولايات المتحدة أعتقد أن النبرة النقدية في الصحف بشأن الحرب على العراق أثرت على الانتخابات الأخيرة في الولايات ا

"
عموما أقول إن الصحافة القوية شيء مهم. وفي الولايات المتحدة أعتقد أن النبرة النقدية في الصحف بشأن الحرب على العراق أثرت على الانتخابات الأخيرة في الولايات المتحدة وساعدت في حصول الديمقراطيين على الأغلبية في الكونغرس.

"
لمتحدة وساعدت في حصول الديمقراطيين على الأغلبية في الكونغرس.

هل من السهل ممارسة صحافة الاستقصاء في الولايات المتحدة في ظل الصراعات الخفية والمعلنة بين أجنحة السلطة؟

بالتأكيد. لكن لا أعتقد أن السؤال ينصب حول درجة الصعوبة لأن الصحافة الاستقصائية تنطوي دائما على مصاعب لأن الناس عموما لا تحب أن يوجه لها اللوم والرئيس الأميركي لا يحب انتقادات الصحافة. لكني أعتقد أن العائق أمام الصحافة الاستقصائية هو غياب الإرادة.

فكبرى الصحف الأميركية تلهث حاليا وراء تحقيق الأرباح. الأمر لم يكن كذلك قبل عقود. عندما التحقت بصحيفة نيويورك تايمز عام 1972 كانت الإدارة تشعر بالانزعاج لما تحقق بعض الأرباح والغاية كانت استثمار تلك الأرباح من أجل تطوير الصحيفة.

في الوقت الراهن أصبحت الصحف تعمل جاهدة من أجل تحقيق أرباح بنسبة 22% سنويا. هذا جنون. إننا نمر في أميركا بمرحلة عبثية.

إلى أي حد ترون أن الإعلام الجديد (صحافة المواطن، مدونات، صحافة إلكترونية) قد يؤثر على الصحافة الاستقصائية؟

ذلك التطور الإعلامي له جانب جيد وجانب سيئ. الوجه الجيد يكمن في كون تقنيات الاتصال الجديدة تساهم في نشر المعلومات بشكل قوي وعلى نطاق واسع. وكنموذج على ذلك فإنه من المدهش أنه بفضل تلك التقنيات أصبح في إمكان الشباب في الشرق الأوسط الوصول إلى أخبار لم تكن متناولة في السابق.

لكن الجانب السلبي يكمن في صعوبة تصنيف أهمية ما يبثه الإعلام الجديد. وعلى أي حال فما يجري حاليا شيء رائع فالمدونات في مصر قدمت كثيرا من القصص حول طرق تعامل أجهزة الأمن مع المواطنين وحول الانتخابات وحول عجز الحكومة في توفير الخدمات التربوية اللائقة للمواطنين. هذا شيء مهم.

في مقالاتكم الأخيرة حول شؤون الشرق الأوسط، كانت جل مصادركم أميركية. هل تعتقدون أن الاعتماد على مصادر أميركية من شأنه أن يعطي صورة دقيقة ومتوازنة ومحايدة لما يجري في المنطقة؟

بكل تأكيد المصادر الأميركية لوحدها غير كافية. لكن في مقالي الأخير بعنوان (The redirection) "توجيه جديد" استشهدت بالأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله الذي قضيت معه ثلاث ساعات. كما التقيت الزعيم الدرزي وليد جنبلاط ومسؤولين في الحكومة اللبنانية إلى جانب رئيس الحكومة فؤاد السنيورة ورئيس البرلمان اللبناني نبيه بري. كما تحدثت أيضا إلى الرئيس السوري بشار الأسد.

أنا متأكد أن أغلب المصادر في تقاريري هي أميركية لأني صحفي أميركي. لكن يمكن أن تساءلني بشأن تعاملي مع الجهات المسؤولة فقط وهذه مسألة مختلفة. في الحقيقة يجب أن ألتقي أشخاصا آخرين. ولهذا ليس دقيقا القول أني أعتمد فقط على المصادر الأميركية.

لكن في حالات كثيرة أنت على حق في القول إن أغلب مصادري أميركية لأني أكتب عن السياسات الأميركية وعن عمل البيت الأبيض. عندما أكتب عن باكستان فأنا أزور باكستان.

بالنسبة لإيران فقد حصلت على التأشيرة لم أزر طهران بعد. يبدو أن الحكومة الإيرانية لا تعرف كيف تتصرف. في بعض الأحيان يعتقد المسؤولون الإيرانيون أنني أكتب تقاريري بإيعاز من البيت الأبيض بهدف تخويفهم.

ما هي درجة مصداقية المصادر المحلية لديكم بخصوص شؤون الشرق الأوسط؟

عندما تكون لك مصادر تتعامل معها على مدى سنوات فأنت غالبا ما تثق فيها دون أن تكشف عنها مع محاولة التأكد أحيانا من بعض المعلومات التي يقدمونها. ويبقى من الأجدر التواجد في مناطق الأحداث وهذا شيء مهم.

كنت مؤخرا في العاصمة المصرية ومنذ ديسمبر/كانون الأول الماضي زرت منطقة الشرق الأوسط أربع مرات. وعندما أزور المنطقة فإني لا أقابل المسؤولين الأميركيين ولكني ألتقي بالمسؤوليين المحليين.

"
أنا أحاول دائما أن لا أكون مروجا للدعايات وذلك من خلال التحقق من صحة الأخبار والمعلومات عبر أكثر من مصدر وبالرجوع أحيانا إلى ستة أو سبعة مصادر مختلفة

"
هل تعرضتم طيلة مساركم المهني الطويل لاستغلال من طرف بعض المصادر أو لضغوط بعض الجهات؟

لو افترضنا أن بعض الجهات استغلتني فإني أقول إن ذلك لم يكن بشكل سافر. إنه ضرب من الجنون أن أقول إن كل من تحدثت إليهم قالوا الحقيقة ولم يحاولوا أن يضللوني.

لكن المهم هو أني أحاول دائما أن لا أكون مروجا للدعايات وذلك من خلال التحقق من صحة الأخبار والمعلومات عبر أكثر من مصدر وبالرجوع أحيانا إلى ستة أو سبعة مصادر مختلفة. حاليا لدي مصادر في الأجهزة الحكومية وهؤلاء المسؤولون ليسوا ديمقراطيين ولا جمهوريين. لكن القاسم المشترك بينهم أنهم يمتعضون من الطريقة التي يدير بها الرئيس بوش شؤون البلاد. بعض المسؤولين يتحدثون إلي لأنهم قلقون مثلي بشأن وطنهم.

وماذا عن الضغوط التي تعرضتم لها؟

تعرضت دائما لضغوط كبيرة خاصة من طرف رؤسائي في العمل. عندما كنت أشتغل في نيويورك تايمز كانوا يتهمونني بأنني مناهض لأميركا. وحاليا البيت الأبيض يهاجمني باستمرار دون أن يقول إن كنت مخطئا أو مصيبا في ما أكتبه. إنهم يكتفون بالقول إنني شخص لا يحب الرئيس بوش وإنه ضد أميركا. عندما كشفت قصة التعذيب الذي يجري في سجن أبو غريب من خلال ثلاث تقارير متتالية كان جواب وزارة الدفاع هو أنني أرمي بالونات اختبار فقط. هذا رد غبي وهذا ما يقومون به عادة. إنهم يهاجمونني. ماذا بإمكاني أن أقوم به تجاههم وأنا في سن السبعين تقريبا.

في أي ظروف غادرتم صحيفة نيويورك تايمز إلى مجلة نيويوركر؟

اشتغلت بمجلة نيويوركر مطلع سبعينيات القرن الماضي قبل أن ألتحق بصحيفة نيويورك تايمز التي غادرتها عام 1979 لأتفرغ لتأليف الكتب وسيناريوهات الأفلام.

في مطلع تسعينيات القرن الماضي عدت للكتابة على صفحات نيويوركر بشكل غير منتظم لأنني كنت منهمكا في تأليف الكتب. وبعد نحو خمس سنوات على هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 لم أكتب قصصا كثيرة لأن الموضوع الذي يحظى باهتمام وسائل الإعلام هو الحرب على الإرهاب. لكنني في المقابل كتبت تقارير عن باكستان وأفغانستان والعراق.

من خلال بعض التقارير يتبين أنكم تشتغلون في مكتب متواضع جدا، مليء بالملفات وغير مجهز بشكل كبير بأحدث وسائل الاتصال الحديثة. إلى أي مدى تستعملون التقنيات الحديثة في ممارسة مهنتكم؟

(يضحك) لو سألت ابني لضحك هو الآخر, فأنا بطيء في تعاملي مع التقنيات الحديثة, لدي كمبيوتر الآن, كما أن بإمكاني استخدام الانترنت, وأنا كذلك أطلع على المدونات وأعتقد أنها قد تكون مفيدة للغاية.

وفي الوقت ذاته فإن المدونات خطيرة, لأنك أحيانا تجد بها أشياء جنونية, لكني عموما لست متقدما في هذا المجال ولست من كبار مستخدمي الكمبيوتر كما أنني لا أتابع ما يستجد في عالم هذه التقنيات, أما سبب كثرة الملفات الورقية في مكتبي فمرده تفادي كتابة أسماء مصادري على الكمبيوتر, إذ لأسباب أمنية لا أضع أسماء كل من أتحدث إليهم في جهاز الكمبيوتر لدي.

ما تقييمكم لأداء كبرى وسائل الإعلام الأميركية في تغطية شؤون الشرق الأوسط خلال السنوات القليلة الماضية؟

للأسف لم تكن تغطيتها جيدة كما أن بإمكاني أن أجزم على أنها لم تتعامل مع الأزمة العراقية بشكل حيادي, إذ ظلت تتماشى مع الموقف الأميركي الرسمي, وكان من الصعب عليها انتقاد الحكومة الأميركية, ويمكنني أن أتفهم ذلك إلى حد ما لكن عواقب كون الولايات المتحدة الآن دولة احتلال وعواقب الحرب خطيرة للغاية بالنسبة للشعب الأميركي.

ولذلك أعتقد أن على وسائل الإعلام الأميركية أن تنتهج نهجا أفضل بكثير, أن تكون حيادية بشكل أكبر, كما أعتقد أن بوش كان يعتقد -مثله في ذلك مثل وسائل الإعلام الأميركية- أن ما قام به هو عين الصواب, لكن ذلك لم يعد هو الواقع, فوسائل الإعلام بدأت تغير نهجها وتقوم بعمل أفضل بكثير, أكثر انتقادا مما كانت عليه الأمور قبل سنتين.

من المعروف أن الصحافة تشكل سلطة رابعة، هل الأمر كذلك في الولايات المتحدة عندما يتعلق الأمر بتغطية شؤون الشرق الأوسط؟

من الناحية النظرية يجب أن تكون كذلك, لكني أعتقد أن الإعلام الأميركي لم يكن وفيا للشعب الأميركي لعدم نهجه أسلوبا أكثر انتقادا للحرب في وقت مبكر ولذلك فقدت وسائل الإعلام كثيرا من الثقة التي كانت تحظى بها.

لقد أيد عدد كبير من الصحف الأميركية الرائدة الحرب على العراق, وهذا أمر مؤسف, وأعتقد أن لدينا نفوذا كبيرا على المدى البعيد.

المصدر : الجزيرة