المواقف البلغارية من الممرضات المدانات بقضية الإيدز

الرئيس برفانوف (يمين) ورئيس الحكومة صعدا اللهجة ضد حكم الإعدام الثاني (الفرنسية-أرشيف)

محمد العلي

يتابع الشعب والسلطة والصحافة في بلغاريا منذ 8 أعوام باهتمام شديد قضية الممرضات المدانات بحقن أطفال ليبيين. وترجع أسباب الاهتمام إلى أن خمسا من مواطناتهم موضع اتهام في قضية حساسة وإنسانية. فهي تتصل بنقل المرض القاتل الذي يعجز الطب عن السيطرة عليه, إلى مئات الأطفال الذين حكمت عليهم الإصابة به واقعيا بالإعدام.

القضية كانت موضع اهتمام الحكومات البلغارية المتعاقبة منذ عام 1998. وترجم هذا الاهتمام باختيار دبلوماسيين رفيعي المستوى لمتابعة الملف عن طريق التعاقب على منصب السفير في العاصمة الليبية منذ أكتوبر/تشرين الأول 1999. وتم كذلك تخصيص مئات آلاف الدولارات من موازنة الدولة, على دفعات, كنفقات للمحامين.

"
القضية كانت موضع اهتمام الحكومات البلغارية المتعاقبة منذ عام 1998 وترجم الاهتمام باختيار دبلوماسيين رفيعي المستوى لمتابعة الملف, وتم كذلك تخصيص مئات آلاف الدولارات من موازنة الدولة, على دفعات, كنفقات للمحامين
"

معالجة هادئة
والتزمت السلطات البلغارية منذ انفجار القضية في فبراير/شباط 1998 بأسلوب المعالجة الدبلوماسية الهادئة لملف القضية مع السلطات الليبية. فلجأت إلى خبيرين معروفين هما لوك مونتانيه وفيتوريو كوليزي اللذان قدما تقريرا قالا في سياقه إن انتشار المرض في مستشفى بنغازي للأطفال مرتبط بتدني مستوى النظافة فيه.

وبعد صدور حكم الإعدام الأول في مايو/أيار 2004 بحق الممرضات والطبيب الفلسطيني، تمسكت صوفيا برفض التعويض على أهالي الضحايا بدعوى أن مجرد قبول مبدأ التعويض يعني إقرارا بأن الممرضات مذنبات.

لكنها وافقت بالمقابل على المشاركة في إنشاء صندوق تبرعات دولي للأطفال المصابين إلى جانب مؤسسة القذافي الخيرية والهلال الأحمر الليبي والمفوضية الأوروبية.

وجندت صوفيا صداقاتها الدولية والأوروبية للضغط على ليبيا لإطلاق الممرضات. غير أن تثبيت قرار الإعدام في ديسمبر/كانون الأول 2006 أخرج السلطة البلغارية عن طورها، حيث خرج الرئيس غيورغي بارفانوف ورئيس الحكومة سيرغي ستانيشيف ببيان شديد اللهجة ضد تثبيت حكم الإعدام.

وبعيد انضمام بلغاريا رسميا إلى الاتحاد الأوروبي في 1 يناير/كانون الثاني 2007 حرك المدعي العام في صوفيا دعوى قضائية ضد تسعة ضباط ليبيين وطبيب كانت إحدى محاكم ليبيا قد برأتهم قبل بضعة شهور من تهمة تعذيب الممرضات.

تحريض الصحافة
بموازاة ذلك التزمت الصحافة البلغارية منذ البداية موقف الدفاع عن الممرضات مشكلة بذلك موقفا ضاغطا على الحكومتين البلغارية والليبية. وترجمت طرابلس ردود فعلها على ما يكتب في الصحافة البلغارية بمنع ممثلي 3 صحف كبرى في مايو/أيار 2001 من تغطية جلسات المحاكمة وبالاحتجاج لدى سلطات صوفيا.

لكن التبرم الليبي دفع اتحاد مالكي الصحف في بلغاريا لتنظيم حملة لجمع مليون رسالة دعم للممرضات في أبريل/نيسان 2004.  ونجحت الحملة في جمع ما يقارب الـ800 ألف رسالة.

وأتاح نجاح الصحافة في خلق رأي عام بلغاري متضامن مع الممرضات, تشكيل لجنة أهلية للدفاع عن حقوقهن في صوفيا في أكتوبر/تشرين الأول 2005.

"
أتاح نجاح الصحافة في خلق رأي عام بلغاري متضامن مع الممرضات, تشكيل لجنة أهلية للدفاع عن حقوقهن في صوفيا في أكتوبر/تشرين الأول 2005
"
حملة تضامن
ومع تثبيت حكم الإعدام على الممرضات في ديسمبر/كانون الأول الماضي أطلقت السلطات البلغارية حملة يومية للتضامن مع الممرضات بمشاركة كافة مسؤولي الدولة ووسائل الإعلام ومذيعي النشرات الإخبارية حملت عنوان "نحن معكم". وبلغت الحملة ذروتها في 9 فبراير/شباط موعد الذكرى الثامنة لإلقاء القبض على الممرضات.

بهذه المناسبة تظاهر في صوفيا نحو 25 ألف بلغاري وأقيمت صلوات في أكبر كنائس صوفيا وفي مسجدها وكنيسها اليهودي. ونظم كذلك حفل موسيقي شاركت فيه شخصيات شهيرة بينها المغنية الفرنسية من أصل بلغاري سيلفي فارتان التي خاطبت المشاركين عبر دائرة تلفزيونية مغلقة.

وفي المحصلة بات موقف سلطات صوفيا وصحافتها وجمهورها من موضوع الممرضات، متطابقا بعد تثبيت المحكمة الليبية حكم الإعدام عليهن, في حين انتقل موقف حكومة بلغاريا من الدفاع إلى الهجوم في القضية مع انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي.



المصدر : الجزيرة