موقف ليبيا من قضية الأطفال المحقونين بالإيدز



ذوو الضحايا باتوا عنصر ضغط إنساني على الدولتين البلغارية والليبية(الفرنسية-أرشيف)
محمد العلي
ظهرت قضية الإيدز رسميا بليبيا في مارس/آذار 1999 عندما وجهت النيابة العامة الليبية لطبيب فلسطيني وخمس ممرضات بلغاريات تهمة حقن 393 طفلا معظمهم ليبيون, بفيروس الإيدز. وانتقل المرض إلى أمهات بعضهم, ليرتفع عدد المصابين به في هذه العملية إلى 439 شخصا.

وبينما بدأ القضاء الليبي النظر في هذه القضية غير المسبوقة محليا, تجنب الزعيم الليبي معمر القذافي لغاية أبريل/نيسان 2001 إعطاءها بعدا سياسيا. واكتفى خلال لقاء مع مسؤول بلغاري في بريتوريا, ومحادثة هاتفية مع الرئيس البلغاري بيتر ستويانوف بوصفها, بأنها معقدة.

ويربط مراقبون مصدر التعقيد بكون القضية تتعلق بمدينة بنغازي التي عرف عنها عدم تحبيذها للنظام وما يمكن أن يجره ذلك عليها, إضافة إلى ما شهدته منتصف ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي من مواجهات مسلحة بين الأجهزة الأمنية وجماعات إسلامية.

سي آي أيه والموساد
غير أن القذافي تخلى عن حذره إزاء القضية خلال مؤتمر شهدته العاصمة النيجيرية حول الإيدز في أبريل/نيسان عام 2001. واتهم كلا من وكالة الاستخبارات الأميركية وجهاز الموساد الإسرائيلي بتدبير عملية حقن الأطفال الليبيين بالإيدز.

تأكيد الطبيب الفلسطيني تعرضه للتعذيب وشهادات الخبراء من مظاهر تعقيد القضية (الفرنسية)
وربط في خطابه أمام المؤتمر بين القضية, وحكم المحكمة الأسكوتلندية قبل ذلك بوقت قصير, الذي قضى بإدانة ضابط الاستخبارات الليبي عبد الباسط المقرحي بتفجير طائرة ركاب أميركية فوق أسكتلندا عام 1988. وتوعد القذافي بتحويل محاكمة المتورطين في القضية إلى محاكمة عالمية على غرار محاكمة المقرحي.

وخلال الفترة الفاصلة بين هذا التصريح, وصدور أول حكم بإعدام المتهمين في مايو/أيار 2004, ظهرت عناصر جديدة في القضية بينها شهادات متضاربة للخبراء, ومجاهرة الطبيب الفلسطيني في إحدى الجلسات بأنه أدلى باعترافاته في التحقيق بعد تعرضه لتعذيب "وحشي".

وصدرت كذلك مواقف غربية تندد بحكم الإعدام وتطالب بإطلاق الممرضات, إلا أن ذلك لم يحدث أي تحول في الموقف الرسمي الليبي الذي نادرا ما يتطرق إلى الرغبة في تنفيذ الحكم.

ذوو الضحايا
كما شكل ذوو الضحايا "جمعية ذوي الأطفال المحقونين" التي ظهرت كقوة ضغط أخلاقي وإنساني على الدولتين الليبية والبلغارية, وعلى المدانيين رغم اقتصار مطالبها على التعويضات على إعدام المدانيين, وهو هامش يتيحه النظام.

كما ظهرت مؤسسة القذافي الخيرية (التي أصبحت تدعى جمعية القذافي للتنمية) ورئيسها نجل الزعيم الليبي سيف الإسلام القذافي كعنصر فاعل يحاول تدوير الزوايا الحادة للقضية, عبر إيجاد حلول ترضي كافة الأطراف.

وخلال فترة إعادة المحاكمة ظهرت قضية تعذيب الممرضات والطبيب، التي تجاذبت أجهزة القضاء في ليبيا وبلغاريا بشأنها. فبرأت محكمة ليبية في يونيو/حزيران 2005 تسعة ضباط ليبيين من تهمة تعذيب الممرضات والطبيب.

دعوى التشهير المرفوعة من الضباط الليبيين عنوان شد وجذب قضائي بين ليبيا وبلغاريا(الفرنسية)
ثم ثبتت محكمة أخرى قرار الإعدام في ديسمبر/كانون الأول 2006, مما دعا صوفيا التي انضمت إلى الاتحاد الأوروبي إلى تحضير دعوى ضد المتورطين في تعذيب الممرضات الذين ردوا بإقامة دعوى تشهير ضد الممرضات والطبيب.

ثلاثة مواقف
ومع دخول القضية عامها الثامن اتخذت صورة الموقف الليبي ثلاثة مستويات أولها يمثله ذوو الضحايا. والثاني رسمي عبر عنه وزير الخارجية الليبي عبد الرحمن شلقم الذي شدد في آخر جلسة للبرلمان الليبي في سرت على رفض الضغوط الأوروبية مع التشديد على أن التصديق على حكم الإعدام يستلزم المرور بجهات قضائية عليا.

والثالث شبه رسمي يمثله سيف الإسلام القذافي الذي أشر في آخر تصريحاته إلى أن الممرضات لن يعدمن, وأنه طرح خطة على فرنسا وألمانيا لحل القضية عبر التعويض لأهالي الأطفال ورعايتهم صحيا. وأكد كذلك أن والده "حساس" تجاه المقرحي في تلميح إلى الرغبة في مقايضته بالممرضات.

مأساة الأطفال المحقونين قضية إنسانية بامتياز, اختلط فيها بعد ثماني سنوات من وقوعها, الإنساني بالسياسي لدرجة بات فيها الثاني الأكثر بروزا, رغم أن حصاده مهما كان لن يرد للضحايا الأحياء صحة, كما أنه لن يعيد الحياة لمن ماتوا.

المصدر : وكالات

المزيد من أزمات
الأكثر قراءة