عـاجـل: صعود العقود الآجلة لخام برنت أكثر من 18% إلى 71.95 دولارا للبرميل

نادية ياسين: النظام يئس من التفاوض مع العدل والإحسان

نادية ياسين: لست أميرة مدللة تخلف أباها (الجزيرة نت)

حاورها: الحسن السرات-الرباط

أكدت نادية ياسين، كريمة زعيم جماعة العدل والإحسان المغربية ومؤسسها الشيخ عبد السلام ياسين، أن الجماعة لم توقع أي وثيقة مع النظام المغربي، وأن النظام يئس من محاولاته المتكررة لفتح مفاوضات معها.

وتطرقت نادية ياسين في لقاء خاص مع الجزيرة نت لأوضاع الجماعة وما يروج حولها، ومواقفها السياسية، والمحاكمات التي تتعرض لها هي شخصيا بسبب تصريحاتها حول النظام الملكي وتفضيلها للنظام الجمهوري.

وفيما يلي نص الحوار. 

نبدأ بوضع الاستاذة نادية ياسين في جماعة العدل والإحسان، فأنت كريمة الشيخ عبد السلام ياسين مؤسس الجماعة وزعيمها الروحي كما يقال، هل هذا الوضع هو الذي يخول لك مكانة متميزة في الجماعة حتى يكون صوتك أعلى وأقوى أم أن الشورى والديمقراطية والانتخاب هي السر في هذا؟

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة على خير المرسلين. انتمائي لوالدي انتماء والحمد لله متعدد الأبعاد. ربما لعب نسبي الطيني دورا في وضعيتي داخل الجماعة، وهذا ليس عيبا ما دام لا يوظف لأغراض شخصية وما دام وسيلة لإرساء مفاهيم قد يصعب تناولها إذا لم يتوفر عنصر الثقة والمحبة.

فمسؤوليتي التي أقتسمها مع أربع نساء على الصعيد الوطني هي مسؤولية تحسيسية (توعية) تهم قراءة تجديدية لقضية المرأة أكثر منها مسؤولية تنظيمية. والجدير بالذكر أن لدي إخوة وأخوات حفظهم الله أعضاء عاديون داخل الجماعة.

السبب الذي جعل الجماعة تسند لي مثل هذه المسؤولية راجع بالأساس إلى انسجامها مع خطابها الذي يقدم المرأة على أنها صاحبة حقوق في المشاركة الفعلية والفعالة خاصة إن ثبت أن لديها بعض القدرات.

السؤال إذن هو لماذا بعض الصحافة لا تهتم إلا بالوجوه البارزة ولا تعير اهتماما لظاهرة المشاركة الفعلية للمرأة داخل صف يفضل البعض أن ينعته بشتى الاتهامات.

التقرير الأخير لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية حول وضع المرأة في العالم العربي يؤكد أن المشاركة الفعلية للنساء توجد داخل الحركات الإسلامية. و هذا الإقرار جاء رغم الإسلاموفوبية العالمية السائدة لأن الشمس لا تغطى بالغربال، وهذا دليل على أن الموضوعية توجب مقاربات متحررة من الكليشيهات والاعتراف بوجود دينامية حقيقية داخل الحركات الإسلامية تفتقدها مؤسسات تدعي الحداثة والتقدمية.

أنا لست سوى الشجرة التي تخفي الغابة، إذ إن عدد المسؤولات في القطاع النسائي يعد بالمئات. وصوتي في الجماعة لا يتجاوز المدى الذي تحدده ممارسة الشورى بعيدا عن المحسوبية، فلست آمرة ناهية ولا أميرة مدللة ستخلف أباها كما تتصور بعض العقول المشروطة بنماذج موروثة لا تستطيع أن تخرج عنها.

مرت الجماعة بأزمة كبيرة عقب قومة 2006 التي أنبنت على رؤى وأحلام للأعضاء، وتردد أن الجماعة تتنبأ بالخلافة الإسلامية في هذه السنة. الآن، مع اقتراب نهاية 2006، من تابع موقفك شعر بأنك كنت محرجة شيئا ما وحاولت التوفيق بين ما يمكن اعتباره "ثقافة المبشرات" وثقافتك العصرية؟ هل ما تزال الجماعة تشيع بين أعضائها هذه المبشرات حسب التعبير المتداول، أم أنها تجاوزت ذلك، وكيف؟

أعي أنك، أستاذي الكريم، تطرح علي هذا السؤال من باب إتاحتي الفرصة لمناقشة مفاهيم منهجية ولإبراز أزمة الرأي العام المغربي الذي عانى من لوكها من طرف جهات مشبوهة تماما.

ولعلك من النخبة المثقفة التي تستطيع أن تدرك أن كل مفهوم عميق التحليل لا يمكن إلا أن تقوضه المقاربة السطحية غير المتخصصة، خاصة إن كانت فعلا غير بريء أخذ شكل الحملة الممنهجة المدعمة بوسائل مادية ضخمة لا يمكن أن تنم إلا عن ارتزاق صارخ.

فلا الجماعة تعاني من أزمة ولا أنا أعاني من ازدواجية الشخصية كما يحلو للبعض أن يعتقد لطمأنة نفسه. الإسلام هويتي حتى النخاع، وهذا معناه أنني لا أستحيي أبدا من الجانب الغيبي في ديني ولا أجد أي حرج تجاهه. الإسلام لا يمثل حضارة ولا ثقافة، ولكنه أولا و قبل كل شيء إيمان بالغيب. فإن كان العدل طرد من طرف حكامنا، فالغيب طرد بسبب نحلة الغالب المادي المستعمر.

لقد أحيينا في إطار استعادة هذين البعدين سنة قص الرؤى التي أعارها علماء المسلمين اهتماما بالغا وأقاموا علوما مرتبطة بها. لقد أحيينا هذه السنة ولا نعطيها إلا الحجم الذي حدده المعلم الأول صلى الله عليه وسلم. نستبشر بها ولا نتعلق بها.

لم نروج قط لرؤى 2006، فما ذنبنا إن كان الطرف الذي وظف هذا البعد في تربيتنا للاستهزاء بنا والتنقيص منا دون أن يضرب حسابا للثقافة الشعبية التي بقيت قريبة من هذه المعاني فتعلقت بهذه المبشرات لشدة معاناتها من واقع تحلم بالخلاص منه. انقلب إذن السحر على الساحر و2006 لم تنته بعد.

وأيا كان، فمشروعنا التغييري بدأ مند عقود وسيستمر لعقود أو ربما لقرون بإذن الله. ونحن على عكس الكثير ممن يتواكلون على معجزة ما، نؤمن بالله وكتبه ورسله ونتوكل عليه لكي يعطينا طول النفس والصبر على الأذى المتنوع والاستمرار في مناهضة الزور والباطل وظلم الجهل واليأس.

"
لن تشارك الجماعة بالسياسة إلا إذا توفرت ضمانات لمشاركة حقيقية وليس توظيفا في مسرحية أو سجنا في دوامة

"
نادية ياسين

تحرص الجماعة على العذرية أو الطهرانية السياسية بالامتناع عن المشاركة في الحياة السياسية في المؤسسات الحالية، هذا رغم مرور عقود من الزمن على وجود الجماعة، فإلى متى ستبقى الجماعة على هذا الموقف؟ وهل سيقضي الأعضاء حياتهم كلها في محاضن التربية؟ وما قيمة تربية لا ينتفع بها المغاربة ولا يبرهن الواقع على جدواها في قلب الميدان؟

الجماعة جماعة دعوة، وهذا يقتضي منها ألا تخوض في الماء العكر وألا تسقط في براثين السياسة السياسوية. فلن تشارك الجماعة إلا إذا توفرت ضمانات لمشاركة حقيقية وليس توظيفا في مسرحية أو سجنا في دوامة.

أما مشروعنا التربوي فسيبقى قائما بقيام الدهر إن شاء الله، إذ الإنسان هو لبنة أي مشروع مجتمعي، وأساس كل مجتمع إنساني التربية. ربما ستنتقل هذه التربية التي يفتقدها المواطن المغربي من محاضننا إلى نطاق رسمي، وتتحول برامجنا من الحقل الضيق للمجالس إلى مجال التعليم العام الذي يحتاج إلى ثورة شاملة تجعل الإنسان محورا وهدفا وليس بقرة حلوبا أو نعجة يستفاد من صوتها في حفل الديمقراطية المزيفة.

وحتى ونحن في إطار ضيق (لم نختره على أي حال وإنما فرض علينا) فإن المغرب أتفاد من تلك المحاضن التي لولاها لرأيت العنف والغضب سائدين في وطننا الحبيب.

الجماعة تقوم بخدمة عمومية لا يقوم بها أي إطار رسمي باحتضانها آلاف الشباب تبعث فيهم الأمل وتلقنهم الإيجابية وتربيهم على الفكر الناقد والقلب الرحيم والأخلاق الراقية على عكس التربية الوطنية التي تحتقر العقول وتعمل على التبليد الممنهج الذي لا يمكن إلا أن يجعل من شبابنا المتذمر زبونا من الطراز الممتاز للقراءات المتطرفة والميل إلى الانتقام والانفجار. لماذا إذن لا نعتبر أي عمل إيجابيا إلا إذا كان تحت لواء النظام؟

للجماعة موقف من الملكية وإمارة المؤمنين يتميز بالرفض وعدم الاعتراف، هل ما يزال هذا الموقف قائما؟ وما الثمن الذي دفعته الجماعة عن هذا الموقف؟ ألا ترون أن الجماعة تشذ عن مواقف المغاربة بهذا الخصوص؟

من سأل المغاربة حتى يحكم على موقفنا بالشذوذ أو عدمه؟ ثم لو سئل المغاربة فهل وُفرت لهم الثقافة السياسية الكافية، وهل رُفِع عنهم ثقل الذاكرة الدفينة والحديثة الموشومة بالرعب والاضطهاد؟

إن همنا هو رفع الظلم ليس فقط عن المغاربة، ولكن عن الإسلام الذي شوه المسار السياسي للمسلمين عالميته. فتوظيف النصوص والاستيلاء على الحكم بالسيف حدا من إقناع الغير بعدل الإسلام.

لقد غرقنا في تناقضاتنا الذاتية وأرسى الحكم المستبد قواعد اللعبة بتوظيف الرسالة لصالح الحكم والحكام في حين أن الحكم جعل لخدمة الرسالة.

آن الأوان أن نوعي الأمة المنهكة المستنزفة بأسباب هونها لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس. وإن كان بعض العلماء سكتوا للحفاظ على قوة أو "بيضة" الأمة آنذاك، فلم يعد هذا العذر قائما اليوم ما دامت الأمة في الحضيض.

وإحياء الأمة لن يكون إلا بإيقاظ القلوب بذكر الله، وإرساء فهم متماسك للذات، ورفع حرج القداسة التي ألصقت بوظائف ومفاهيم هي في الأصل مشروطة باختيار القاعدة.

جهادنا جهاد النفس ثم جهاد الكلمة الحرة المتماسكة أيا كان الثمن، ومن يريد الرخاء فهناك خيار الانخراط في حركات تضمن له راحة البال والسير المطمئن. أما الجماعة فلا ينتمي إليها إلا من لا يهمه دفع الثمن لسلعة تستحقه. ألا إن سلعة الله غالية، ومن أحب الأعمال إلى الله تحرير رقاب غير واعية برقها.

"
يئس النظام من المفاوضات ولم يعد له ولشتى الخصوم إلا خيار الإشاعات وتسويد الصورة
"
نادية ياسين

كشف الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السابق عن وجود مفاوضات سابقة مع الجماعة انتهت إلى توقيع والدك على وثيقة بنبذ العنف والاعتراف بالملكية والعمل من خلال حزب سياسي, هل لك علم بهذا، ولماذا توقفت المفاوضات؟

حاول النظام غير ما مرة أن يتفاوض مع الجماعة ولكني غير مؤهلة لإعطائك تفاصيل هذه المحاولات، فهذا من مؤهلات الناطق الرسمي للجماعة الأخ فتح الله أرسلان.

غير أني أستطيع أن أؤكد لك عدم توقيع أي وثيقة من هذا النوع وأتحدى المدغري وغيره بنشرها. لقد يئس المخزن (السلطة) من إمكانية أي مفاوضة معنا، لأننا لسنا متعطشين للمشاركة ولكننا حاملو مبادئ لا يمكن أن نتخلى عليها بتوقيع وثيقة بيع و شراء. يئس النظام من المفاوضات ولم يعد له ولشتى الخصوم إلا خيار الإشاعات وتسويد الصورة.

تعرضت نادية ياسين لمحاكمة لم تنته فصولها، واتهمت بأنها مست بالمقدسات، ومنعت من السفر عدة مرات ومن المشاركة في أشغال مؤتمر حول النسوانية الإسلامية باليونيسكو، هل نادية ياسين مزعجة وخطيرة إلى هذا الحد؟ لماذا لم تواجه مواقفها وأفكارها بمواقف وأفكار مضادة بدل المحاكمات؟ لماذا المحاكمة؟

لأننا ننتمي إلى عالم لا ينتمي الحوار إلى تقاليده السياسية. الكلمة الحرة لها وقع الزلزال في حضارة "أطع واصمت"، وهذه ردة سياسية بدأت مع الأمويين واستفحلت في الأمة ومن واجبنا العمل على تجاوزها وإحياء مبدأ حرية التعبير الذي يجسده بامتياز موقف سيدنا علي رضي الله عنه حين حاور بكل تحضر أحد الخوارج الذي أعلن له في الملأ عدم اعترافه بخلافته.

المحاكمة تندرج في سياق هذه الردة وهي تجلي آني لفلسفة قديمة لحكام الجبر، ثم إن حللناها على ضوء حاضر واقعنا المغربي فهي دليل على تذبذب في اتخاذ القرارات وعلى شيخوخة مستشرية في النظام، فما أصبح تصريحي قضية إلا بسبب قرار وخيار بليد للمخزن (السلطة).

المصدر : الجزيرة