عـاجـل: الحكومة اليمنية: نثمن جهود السعودية وندعوها إلى مواصلتها لدعم خططنا من أجل إنهاء التمرد

حربي: أوساط جزائرية أسهمت بعودة خطاب تمجيد الاستعمار

 
ولد محمد حربي عام 1933 بالشرق الجزائري وناضل منذ صغره في صفوف حزب الشعب, والتحق بعد اندلاع الثورة بجبهة التحرير الوطني وكان أحد مسؤولي فدراليتها في فرنسا وعضوا نشطا بسلكها الدبلوماسي.
بعد الاستقلال تقلد عدة مسؤوليات سياسية. وإثر انقلاب هواري بومدين على الرئيس أحمد بن بلة عام 1965 وضع رهن الإقامة الجبرية في جنوب الجزائر، إلا أنه استطاع الفرار إلى فرنسا حيث كرس نفسه بالإضافة للتدريس في الجامعة للبحث في تاريخ الجزائر خاصة تاريخ حركتها الوطنية.
 
يعيش حاليا في باريس، من مؤلفاته "جذور جبهة التحرير الوطني: الشعبوية الثورية في الجزائر" (1975) و"جبهة التحرير الوطني بين الحقيقة والسراب".
يتم التفاوض حاليا على معاهدة صداقة بين الجزائر وفرنسا. ما وظيفة هذه المعاهدة في مسار علاقات البلدين؟
بغض النظر عن الصراعات اللفظية، كانت علاقات البلدين دوما وطيدة جدا، المشكل يتلخص فيما يلي: "كيف يمكن إنهاء حرب الجزائر والوصول لتطبيع علاقات الجزائر وفرنسا؟".

وظيفة معاهدة الصداقة تحديدا تطبيع هذه العلاقات، عندما يقول رئيس الوزراء الجزائري الأسبق رضا مالك "الجزائر ليست بحاجة إلى معاهدة صداقة مع فرنسا بل بحاجة إلى إعادة تأسيس علاقاتها معها"، أتساءل صادقا عن الفرق. إمضاء معاهدة صداقة مع فرنسا و"إعادة تأسيس علاقات الجزائر بها" يعنيان الشيء نفسه: تحول الجزائر وفرنسا إلى شريكين عاديين.
 
عقب تصريحات جزائرية وفرنسية عن قرب إمضاء المعاهدة، نرى منظمات جزائرية من "التيار الوطني" (منظمة قدماء محاربي الثورة، منظمة أبناء شهداء الثورة..) تدعو فرنسا لـ"طلب الصفح من الجزائريين لما اقترفته ضدهم إبان الاستعمار"، بل إن الرئيس الجزائري نفسه حث فرنسا على "الاعتراف بجرائم الاستعمار". ماذا تغير منذ أولى التصريحات المتفائلة عن قرب إمضاء معاهدة الصداقة؟.

الذي حدث هو مصادقة البرلمان الفرنسي على قانون 23 فبراير/ شباط 2005 الذي تتكلم مادته الرابعة عن واجب تدريس "الدور الايجابي للتواجد الفرنسي ما وراء البحر، بالأخص في شمال إفريقيا". صحيح أن القانون يتطرق إلى جوانب تتعلق بمسائل فرنسية داخلية بحتة, فمن حق فرنسا مثلا أن تحل مشكلتها مع قدامى المعمرين -يسمون أيضا الأقدام السوداء- الذين نزحوا من الجزائر غداة الاستقلال ومع الحركى -من تجند من الجزائرييين إلى جانب فرنسا- لكن المشكلة هي أن القانون يصف دور الاستعمار في المستعمرات الفرنسية بـ"الإيجابي". من حق الجزائريين أن يستنكروا ذلك.
"
كثير من الجزائريين يعتبرون فرنسا خصمهم، لكنهم في الوقت نفسه شديدو الرغبة في أن تحبهم. الكثير حتى
في الأوساط الإسلامية فهموا أنها شريك مهم، وهم يسعون جاهدين لأن تبقى اتصالاتهم بها مستمرة
"

النقاش حول القانون بدأ في الواقع عام 2003، إلا أن الحكومة الجزائرية آنذاك التزمت الصمت. لو أن الجزائريين قالوا آنذاك "نرفض الحديث عن معاهدة الصداقة مادام قانونكم يتضمن أشياء تصدم ذاكرتنا وتهينها"، لفكر الفرنسيون مليا قبل التصويت عليه.
لقد كان وقع التصويت على القانون سلبيا جدا على الرأي العام الجزائري، ليس من السهل على سلطات الجزائر أو فرنسا تجاهل ردود فعل الرأي العام الرافضة لهذا النص، سواء في الجزائر أو في فرنسا. من الصعب في ظروف كهذه أن تتم المفاوضات حول معاهدة الصداقة بصورة شفافة.
 
صرح مناضل الحركة الوطنية أحمد محساس مؤخرا بأن "الجزائر ليست بحاجة إلى معاهدة صداقة مع فرنسا". هل هذا مجرد رأي شخصي أم أنه يعبر عن تيار سياسي جزائري رافض مبدئيا لفكرة إمضاء معاهدة صداقة مع فرنسا ولمشروع التطبيع التام لعلاقات الجزائر بها؟
 
يوجد في بعض الأوساط حذر وتردد كبيران بشأن معاهدة الصداقة هذه، وهو أمر مشروع, فلا أحد يعرف بالضبط ما يتم التفاوض عليه.
 
الخطاب السياسي لبعض الأوساط الجزائرية يتسم بنوع من التردد إزاء فكرة انتماء الجزائر إلى العالم العربي، ولا أدل على ذلك من نظرة هذه الأوساط لمسألة التعريب.
 
بعض ما يقال في هذا الشأن مشروع بالنظر للفشل الذي منيت به سياسة التعريب في الجزائر، المشكلة هي أن ما تطرحه هذه الأوساط هو إعادة النظر في مبدأ التعريب في حد ذاته.
 
التياران اللذان يبديان توجسا كبيرا من فكرة معاهدة الصداقة هما التيار ذو الميول القومية العربية والتيار الإسلامي، وهما شديدا التعلق بانتماء الجزائر إلى العالم العربي. وهما يمثلان قسما معتبرا من الرأي العام الجزائري لا يتقبل بسهولة تجاهله وتهميشه، خاصة أن المفاوضات حول معاهدة الصداقة مع فرنسا مفاوضات محاطة بالكتمان, فمن الطبيعي إذن أن يتوجس البعض منها شرا وأن يبدوا خشيتهم من أن تتكشف عن خديعة ما.
 
ألا تعتبر ردود الفعل هذه تحجيما للعلاقات الجزائرية-الفرنسية لحصرها في الجانبين الثقافي واللغوي؟
 
هذا صحيح، فلم أر حتى الساعة أحدا يتطرق إلى المسألة من وجهة نظر عامة هي علاقات الجزائر الاقتصادية والسياسية مع مجمل القوى العظمى في العالم.
 
المشكلة اللغوية في الجزائر مشكلة عويصة لم تحل بعد، لا يجب أن تنسى أن النخبة الجزائرية ليست نخبة واحدة, قسم منها شديد التعلق بالعروبة, والثاني فرنكفوني, أما الثالث فذو ميول أمازيغية وإن كان أقرب إلى الفرنكوفونية منه إلى الأمازيغية. لم تحل الجزائر مشكل الصراع بين هذه النخب ولم تتوصل بعد إلى صهرها في نخبة واحدة.
 
هل يمكن اعتبار معارضة محساس لفكرة معاهدة الصداقة "معارضة ثقافية" بحتة أم أنها تعبر عن تردد أوسع في أوساط ما يسمى "بالتيار الوطني" إزاء المعاهدة بحجة أنه "على الجزائر أن تنوع علاقاتها بالقوى العظمى"؟
 
كثير من الجزائريين ما زالوا يعتبرون فرنسا خصمهم، غير أني لا أبالغ إن قلت إنهم في الوقت نفسه شديدو الرغبة في أن تحبهم، الكثير -حتى في الأوساط الإسلامية- فهموا أن فرنسا شريك مهم، وهم يسعون جاهدين لأن تبقى اتصالاتهم بها مستمرة. عندما تخفق الاتصالات، وتبدي فرنسا تفضيلها للنظام الجزائري عليهم لأن أكثر ما يهمها هو النظام القائم، تراهم ساخطين عليها.
"
الأقليات الرافضة لاستقلال الجزائر بقيت مهمشة في ظل الإيديولوجية الدوغولية, لكن هذه الإيديولوجية
 بدأت تنحسر, والنتيجة استفاقة هذه الأقليات من سباتها
"
  
 
تقصدون الإسلاميين الجزائريين؟
 
نعم طبعا.
 
ما المجموعات السياسية الفرنسية المعارضة لمعاهدة الصداقة؟
 
المجموعات السياسية المناوئة لتطبيع علاقات فرنسا مع الجزائر هي أساسا قدماء المعمرين الذين نزحوا بعد الاستقلال إلى فرنسا، وكذلك الحركي. وزن هاتين المجموعتين السياسي لا يستهان به، خاصة في جنوب فرنسا. رد عمدة مدينة مونبيليه المنتمي إلى الحزب الاشتراكي الفرنسي على المنددين بموقفه المساند لقانون 23 فبراير/ شباط  2005، كان "أغلب منتخبي من قدامى الأقدام السوداء، يجب أن أكون في صفهم إذا أردت الاحتفاظ بعمدية المدينة".
جراح حرب الجزائر لم تندمل بعد في فرنسا. لا يجب أن ننسى أن حكومة ديغول بتوقيعها اتفاقية إيفيان، دخلت في مجابهة مع جزء من الرأي العام الفرنسي ومع الرأي العام السائد في أوساط الأقلية الأوربية التي كانت تعيش في الجزائر قبل الاستقلال.
 
الأقليات الرافضة لاستقلال الجزائر بقيت مهمشة في ظل الإيديولوجية الدوغولية التي بدأت تنحسر بمرور الزمن، وتقهقر تأثيرها على الساحة السياسية الفرنسي والنتيجة استفاقة هذه الأقليات من سباتها.
 
كيف تفسرون إذن كون مقترحي هذا القانون والمنافحين عنه ينتمون إلى اتحاد الأغلبية الرئاسية ذي التوجه الدوغولي؟
 
الديمقراطية الفرنسية حاليا في طور التحول إلى ديمقراطية انتخابوية، اتحاد الأغلبية الرئاسية الحاكم في فرنسا يتعرض لمنافسة شديدة من الجبهة الوطنية المنتمية إلى أقصى اليمين، محورها الاستحواذ على أصوات ناخبي جنوب فرنسا الذي يعد أحد معاقل قدماء معمري الجزائر.
 
يدل تأجيل إمضاء معاهدة الصداقة الجزائرية الفرنسية على وجود أزمة في علاقات البلدين، هل هي أزمة كبرى؟ أيمكن مقارنتها بالأزمة التي أعقبت تأميم الجزائر لقطاع المحروقات بداية السبعينيات؟
 
لا أعتقد أنها أزمة كبرى. حتى في أحلك مراحل العلاقات، لم تنقطع الاتصالات بين سلطات البلدين والمعارضة الجزائرية أدرى الناس بذلك.  
 
فرنسا بحكم التاريخ والجغرافيا تلعب دور "المستمع" في النزاعات الداخلية الجزائرية، كل الأطراف المتنازعة في الجزائر تتصارع للظفر بإنصاتها، صحيح أن الجزائر دولة مستقلة، غير أنها لم تتمكن من فصل مشاكلها الداخلية عن علاقاتها الخارجية.
 
علاقات الجزائر وفرنسا معطى سياسي جزائري داخلي بالغ الأهمية لسببين، أولهما وجود مئات الآلاف من المهاجرين الجزائريين في فرنسا، وثانيهما وجود علاقات تواطؤ وثيقة على المستويين الاقتصادي والمالي، بين مجموعات فرنسية مؤثرة وأرباب السلطة في الجزائر، هذا ما يمكن تسميته "بالجانب المعتم" من علاقات البلدين.
 
ما أهمية "مكافحة الإرهاب" في علاقات البلدين؟
 
واضح أن علاقات الجزائر وفرنسا في مجال مكافحة ظاهرة عولمة التيار الإسلامي وطيدة. أذكر أن الجنرال محمد العماري -قائد أركان الجيش الجزائري السابق- في فترة كانت علاقات البلدين تمر فيها بأزمة، أدلى بتصريح يقول فيه إن "التعاون بين أجهزة البلدين الأمنية تعاون ممتاز".
 
حتى 11 أيلول/ سبتمبر 2001 كانت الجزائر تعاني قلة إنصات المجتمع الدولي لخطابها حول قمع الحركة الإسلامية. وقد كانت فرنسا أبرز محاميها في هذا المضمار.
 
نحن اليوم نعلم يقينا أن الاتحاد الأوروبي يستمتع إلى رأي فرنسا في القضايا المتعلقة بالجزائر ويستشيرها، فمهما كانت المسافة التي تفصل الأوروبيين عن المواقف السياسية بفرنسا في قضايا دولية أخرى، فإن رأيها بالغ الأهمية عندما يتعلق الأمر بالجزائر. وزاد اهتمام أوروبا برأي فرنسا في الشأن الجزائري تزايد انشغالها بعد 11 أيلول/ سبتمبر 2001 بظاهرة عولمة التيار الإسلامي.
 
بم تفسرون عودة تاريخ فرنسا الاستعماري بقوة في النقاشات السياسية الدائرة في فرنسا؟
 
المجموعات المهزومة إبان الثورة الجزائرية تعتقد اليوم أنه آن الأوان لتنتقم، يمكن القول إن أزمة الجزائر في السنوات الأخيرة تفسر جزئيا رغبة هذه المجموعات في إعادة الاعتبار لنفسها ماديا ومعنويا, فقد خلقت لديها خوفا وذعرا من هجرة كبيرة للجزائريين إلى فرنسا.
 
من ناحية أخرى ارتكبت السلطات الجزائرية نوعا من الطيش بتأكيدها على أن "المجموعات الإسلامية المسلحة ليست إلا لفيفا من أبناء الحركي يريدون الانتقام لآبائهم من الجزائر المستقلة". هذا خطاب أثار ثائرة الحركي في فرنسا.
"
بينت أزمة الضواحي أن في فرنسا، حتى في أوساط اليسار، شكا في الهوية الفرنسية للشباب المنحدر من أصول جزائرية لكن ليس لدى هؤلاء الشبان أدنى رغبة في العيش في بلد آبائهم وأجدادهم, لأنهم فرنسيون, وكل هذا الشك في هويتهم لم يتأت من السياسة الجزائرية بل من السياسة الفرنسية تجاههم
"

لقد أعادت الأزمة الجزائرية إلى السطح كل المسائل التاريخية المتعلقة بحرب التحرير الجزائرية التي بقيت عالقة منذ انتهائها، مسألة إرهاب المدنيين، الحركي، انتماء الجزائر الثقافي، إلخ. يجب أن نذكر هنا أن بعض المجموعات السياسية الجزائرية سعت في السنوات الأخيرة لنقل النزاع الجزائري الداخلي إلى فرنسا، خاصة منها المجموعات المعادية للإسلاميين. المشكلة ليس في معاداتها للإسلاميين، فلها لذلك ما يكفي من المبررات. المشكلة في أن خطاب هذه المجموعات عن الجزائر كان كثير الشبه بخطاب الأقدام السوداء ومجمل التيارات السياسية الفرنسية المنزعجة انزعاجا كبيرا من تجربة الجزائر الثقافية بعد الاستقلال.
 
ما دور "أزمة الضواحي" في عودة تاريخ الاستعمار الفرنسي إلى النقاشات السياسية الفرنسية؟
 
عندما اندلعت "أزمة الضواحي" حاول البعض ربطها بالنقاش الدائرة رحاه حول قانون 23/ شباط فبراير, ولم تتورع جريدة فرنسية عن القول إن المهاجرين ليسوا سوى طلائع الفتح الإسلامي لفرنسا!
بينت أزمة الضواحي أن هناك في فرنسا، حتى في أوساط اليسار، شكا في الهوية الفرنسية للشباب المنحدر من أصول جزائرية. غير أننا نعلم جيدا أنه ليست لدى هؤلاء الشبان أدنى رغبة في العيش في بلد آبائهم وأجدادهم ولا في أن يكونوا في عداد مواطنيه، هم فرنسيون، كل هذا الشك في هويتهم لم يتأت من السياسة الجزائرية بل سببه السياسة الفرنسية تجاههم.
 
هل كان شبان الضواحي الثائرون يربطون بين التمييز والتفرقة اللذين يعيشونهما والتمييز والتفرقة اللذين عاشهما آباؤهم وأجدادهم إبان الاستعمار؟
 
بعض النخب الفرنسية قارنت وضع هؤلاء الشباب بوضع آبائهم وأجدادهم خلال الاستعمار، هذا في نظري الأهم في الموضوع، لو انشغلت فرنسا بحل مشاكل هؤلاء الشباب الاجتماعية والاقتصادية لتطورت الأمور بشكل آخر ولما طرح البعض مشكل هويتهم بالشكل الحالي.
 
من غير المعقول التحدث عن "الإدماج الثقافي" لهؤلاء الشبان المنحدرين من أصول مغاربية أو أفريقية, لأنهم شبان فرنسيون ولا وجه للشبه بين سلوكهم وطريقة حياتهم وسلوكهم وطريقة حياة الشباب المغاربي أو الأفريقي.
صحيح أن الشبان الفرنسيين المنحدرين من أصول جزائرية شديدو التعلق ببلد آبائهم، لكنه تعلق لا يختلف في شيء عن تعلق المهاجرين الإيطاليين بأميركا بإيطاليا خلال العشريات الماضية ولا عن تعلق جزء من المواطنين الفرنسيين بإسرائيل! تعلقهم بالجزائر لم يعد معطى من معطيات النقاش إلا لسبب واحد هو أن النخب السياسية الفرنسية لم تنكب بشكل كاف على حل مشكل إدماجهم الاجتماعي والاقتصادي.
 
لنرجع إلى قانون 21 فبراير/ شباط ما الذي يثير ثائرتكم فيه؟
 
ما يثير حفيظتي أنه يأمر المؤرخين بأن يفكروا في التاريخ ويدرسوه من وجهة نظر تمجيد "الدور الإيجابي" المزعوم للاستعمار.
يجب أن ندرس الاستعمار بنفس الطريقة التي ندرس بها العولمة، أي كسيرورة تاريخية أساسها نفي مبدأ المساواة بين الأمم. يكفي لدحض الادعاءات عن دور الاستعمار الإيجابي المزعوم التذكير ببعض الوقائع والمعطيات عن حقيقة الاستعمار.
الاستعمار أنشأ في البلدان المستعمرة "جزرا رأسمالية" تعتمد على قاعدة بشرية أوروبية. وكل "إنجازاته" كانت محددة بمصالح هذه الجزر والأقليات الأوروبية التي كانت تقطنها، وهذا ينطبق حتى على الطبقات الشعبية لهذه الأقليات التي كانت تعوض ضعفها الاقتصادي والاجتماعي بتفوقها وتميزها عن السكان الأصليين في الحقوق القانونية.
 
هناك جانب آخر قلما يتطرق إليه عند الحديث عن "منجزات الاستعمار"، كثيرا ما ننسى أنها لم تتأت إلا بفضل جهد السكان الأصليين وبأموالهم. في الجزائر، حتى 1918، كان السكان الأصليون يدفعون ضريبتين اثنتين للإدارة الاستعمارية. ضريبة كسكان أصليين وضريبة فرنسية. لا داعي للتذكير بأنه لم يكن لهم أي حق في مراقبة صرف هذه الأموال فهم لم يكونوا ممثلين سياسيا في الهيئات الاستعمارية.
 
عندما كونت الإدارة الاستعمارية في الجزائر ما يسمى "بالبلديات تامة السيادة" أي البلديات ذات القيادة الأوروبية ألحقت بها قرى ومداشر جزائرية لتنتفع البلديات بالضرائب التي تدفعها هذه القرى وكانت تصرف بطبيعة الحال لصالح المعمرين لا لصالح دافعيها.

"
المدافعون عن "دور الاستعمار الإيجابي" يتعللون بكونهم "نخبة جزائرية" ويتناسون أن جبهة التحرير الوطني، كونت في سبع سنوات ما لم تكونه الإدارة الاستعمارية في 132 سنة
"

 
المدافعون عن "دور الاستعمار الإيجابي" يتعللون بكون الاستعمار كوّن "نخبة جزائرية" ويتناسون أن جبهة التحرير الوطني كونت في سبع سنوات من المهندسين والتقنيين ما لم تكونه الإدارة الاستعمارية في 132 سنة.
 
تحتوي مقدمة "اتفاقية نوميا" الموقعة بين الحكومة الفرنسية وجبهة تحرير كاليدونيا سردا طويلا لفظائع الاستعمار الفرنسي في المنطقة. ما يفسر تصويت البرلمان الفرنسي بضع سنوات بعد إبرام هذه الاتفاقية على قانون يمجد "دور الاستعمار الإيجابي"؟
 
قبل أن يترأس ميشال روكار الحكومة الفرنسية، كان كثير من الفرنسيين مقتنعين "بدور الاستعمار الإيجابي في كاليدونيا"، إلا أن ميشال روكار كان رجلا مناوئا للاستعمار, وهذا يفسر التعريف العلمي للاستعمار الذي نقرؤه في اتفاقية نوميا. منذ إبرام الاتفاقية مالت موازين القوى في فرنسا لصالح اليمين الذي ليس بعد مستعدا لأن ينظر لماضي بلاده الاستعماري نظرة موضوعية.
بمقدورنا مساعدة فرنسا على النظر إلى تاريخها الاستعماري نظرة مغايرة بسعينا لكتابة تاريخ موضوعي لا يعتمد شيئا آخر غير الوقائع والمعطيات الموضوعية.
 
بمقدورنا مساعدتها بتوفير وسائل البحث لمؤرخينا بالاستقلال التام عن تأثير السلطة السياسية، يجب كذلك أن نقتنع بأن فرنسا بلد شديد التباين من الناحية السياسية، كثير من الناس فيها مقتنعون تماما بأن دور الاستعمار كان سلبيا في البلدان المستعمرة.
 
ردود الفعل الأولى على قانون 23 فبراير/ شباط جاءت أساسا من مؤرخين معروفين بمناهضتهم للاستعمار، قبل أن يحذو حذوهم مؤرخون آخرون قد ينتمون إلى اليمين لكنهم شديدو التعلق بمبدأ استقلالية البحث العلمي عن السلطات السياسية.
 
في سبر آراء نشرته صحيفة لوفيغارو الفرنسية يتبين أن 64? من الفرنسيين يساندون قانون 23 فبراير/ شباط ما تعليقكم على ذلك؟
 
عمليات سبر الآراء شديدة الارتباط بالظرف الذي أجريت فيه. قبل هذا السبر، أجريت عمليات سبر أخرى بينت أن أغلبية الفرنسيين يدينون الساسة الفرنسيين الذين أصروا على خوض "حرب الجزائر". يجب أن ننظر بشيء من النسبية إلى دور هذه العمليات في معرفة توجهات الرأي العام, فنتائجها تحددها التغطية الإعلامية للأحداث المتطرق إليها التي لم تكن في صالح المؤرخين الذين نددوا بقانون 23 فبراير/ شباط.
 
ينبغي كذلك الإشارة إلى أن نتائج سبر الآراء الذي ذكرتموه تأثرت بالاضطرابات التي عرفتها بعض مدن الضواحي الفرنسية، خطاب وسائل الإعلام عن الإسلام والخطر الإرهابي في فرنسا ربما جعل كثيرا من الفرنسيين يعتقدون أن الإسلام بصدد "فتح" بلادهم.
 
هل يأتي يوم ينظر فيه لعلاقات فرنسا والجزائر كـ"علاقات عادية" لا تتأثر بكل هذا الجدل التاريخي؟
 
يجب السعي لتخليص العلاقات من التأثيرات الآنية بالتأكيد على "واجب الحقيقة  التاريخية لا واجب تذكر التاريخ". الحقيقة نتاج عمل موضوعي يكتب فيه التاريخ بكل تناقضاته، أما الذاكرة فهي تعريفا ذاتية وانتقائية. "ذاكرات" حرب التحرير (هناك ذاكرات عديدة لهذه الحرب) في الجزائر ستبقى ولمدة طويلة في تعارض مع "ذاكرات" نفس هذه الحرب في فرنسا.
ــــــــــ
المصدر : الجزيرة