عـاجـل: بشار الأسد لوسائل إعلام روسية: موسكو ستقدم شكوى إلى مجلس الأمن بشأن سرقة الولايات المتحدة للنفط السوري

العفو الشامل في أعين من نكبوا بحرب الجزائر

 
خف العنف بالجزائر لكن الحرب تركت أسئلة دون إجابات, وحتى العفو الشامل الذي أعلن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الاستفتاء عليه الشهر القادم, لم يزد الأمور إلا غموضا وإن أجمع الكل على طي صفحة طوت حياة مائة ألف على الأقل، لكن ليس بأي ثمن كما يقول البعض.
 
لقد أرادت السلطة بالاستفتاء إغلاق الباب على واحدة من أحلك فترات تاريخ الجزائر, ومع ذلك استقبله المواطنون بلا اكتراث أقرب إلى الترحيب, ربما لأن الأمن لم يعد منذ سنوات شغلهم الشاغل, لكن الحال ليس كذلك مع ضحايا الحرب الذين يخشون أن يدفن القانون الحقيقة.
 
"يعتقدون أنهم يستطيعون نزع صفحات عشر سنوات من العنف من ذاكرتنا, بأن يعطونا مالا ويجعلونا ننسى مفقودينا", تقول صفية فحاصي الناطقة باسم التنسيقية الجزائرية لعائلات المفقودين بصوت بارد وهادئ وسط ضوضاء مقهى رفيع في قلب العاصمة الجزائرية قبل أيام قليلة من خطاب بوتفليقة الذي أعلن فيه الشرائح التي ستستفيد منه.
 
لم يكن اختطاف زوج صفية الصحفي في 1995 -ولم يظهر له أثر حتى الآن- إلا حادثا عابرا من حوادث الحرب الأهلية لا يريد أحد في هذا المقهى الخوض فيه.
 
لقد ظن الجزائريون ممن لم ينكبوا في ذويهم أن عنف المفخخات والمجازر جزء من الماضي, قبل أن يبعث الرئيس بوتفليقة قبل عشرة أشهر هذا الماضي متحدثا عن الحاجة لعفو يحقق المصالحة الدائمة, لتبدأ حملة دشنها سياسيون في التحالف الحكومي لإقناع المواطنين بالانضمام إلى "مشروع العفو والمصالحة", وتنشأ أحزاب صغيرة منظمة هدفها الترويج لفكرة العفو والسماح للرئيس بحشد أكبر دعم له.
 
غير أن اللجنة التي سميت "لجنة العفو الوطني الشامل" وضخت فيها -حسب الصحافة- أموال كبيرة هي تبرعات أنصار العفو لا تتمتع بأي قاعدة قانونية, ولا يوجد بين أعضائها قضاة أو رجال قانون, وتحول رئيسها عبد الرزاق إسماعيل -رئيس حزب صغير اسمه "حزب التجديد الجزائري"- إلى اسم بارز في الإعلام مدافعا عن فوائد العفو "لقلب صفحة الماضي ونسيانها, حتى لو لم نكن نعرف بالضبط ما يعنيه بالعفو".
عفو عن القتلة و.. المختلسين؟
ولإسماعيل طريقة في تعريف العفو, فهو يجب أن يشمل حسب رأيه كل من شارك في أحداث الماضي, سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي, ليتحول العفو إلى عفو ليس فقط عن جرائم العنف, لكن أيضا الجرائم الاقتصادية, ليلتبس العفو باللاعقاب.
 
السلطات أقرت قبل خمسة أشهر بمسؤوليتها عن اختفاء أكثر من ستة آلاف شخص (أرشيف HRW)
هذا اللبس هو ما جعل أغلب منظمات ضحايا الإرهاب بالجزائر تتوجس خيفة من اللجنة, ولا يخفي علي المرابط -رئيس منظمة عائلات من اختطفتهم الجماعات الإسلامية المسلحة- غضبه حين يقول "لا أحد بينهم مختص أو خبير قانوني, ولم يعان أحدهم وطأة العنف. إن همهم الوحيد هو المصالح المادية".
 
عندما بدأت الحملة من أجل مشروع العفو أشارت الأخبار إلى أن الأمر يتعلق بـ "الإرهابيين", لكن سريعا ما بدأ الحديث عن عفو عن جرائم الفساد, وربطت الصحافة التحول بصراعات أعضاء اللجنة واتهامات متبادلة بسرقة أموال وجهت لتمويل حملة العفو, ووصلت حدا دفع رئيس الوزراء إلى التصريح أمام البرلمان وعلى الهواء قبل ثمانية أسابيع بأنه سيجمد نشاطاتها "لأن البعض حول فكرة العفو إلى تجارة".
 
غير أن المفارقة كانت عندما دافع عن مشروع الرئيس -دون معرفة مضمونه بالضبط- منظمات تخشى أن تدفن إلى الأبد آمالها في محاكمة من قاموا بالقتل والخطف والتعذيب, ولعل أبلغ من جسد هذا التمزق فاطمة الزهراء فليسي نائبة حزب التجمع الوطني الديمقراطي ثاني أكبر أحزاب التكتل الحكومي, والذي قتل زوجها على يد الجماعات الإسلامية المسلحة في 1993.
 
وتجد فليسي نفسها في وضع محرج, فكنائبة في التحالف عليها دعم قرارات الحكومة, لكن كرئيسة لمنظمة لضحايا الإرهاب قاومت بضراوة فكرة العفو عن أعضاء الجماعات الإسلامية المسلحة, تقر بأنها لا تعرف كيف سيكون رد فعل أقارب ضحايا الإرهاب.
 
وتقول فليسي إنها قبل سنوات ما كانت لتقبل فكرة "العفو عن الإرهابيين", لكنها اليوم تقر بأنها تغيرت فـ "الآن نفكر في مستقبل أبنائنا, فلا نريدهم أن يكبروا والثأر والحقد يعتملان في نفوسهم".
 
أعف عن إرهابي ينجو رجل أمن؟
لكن ماذا يمكن أن تعني مصالحة وطنية حقة؟ لقد عاشت الجزائر قبل ست سنوات تجربة الوئام الوطني الذي عفا نظريا عن أفراد الجماعات المسلحة الذين لم تلطخ أياديهم بالدماء, أو اغتصبوا أو كانوا وراء عمليات تفجير ضد مدنيين.
"
ضحايا الطرفين ينظرون إلينا كمن يريد إفساد الفرحة, حتى عائلاتنا تنظر إلينا كمنكدين, وأصدقاؤنا يتحاشوننا, لأن وجودنا في حد ذاته تذكار دائم للأشياء الرهيبة التي نحن قادرون على فعلها ببعضنا البعض.
الناطقة باسم التنسيقية الجزائرية لعائلات المفقودين 
"
 
ورغم أنه أثار جدلا واسعا, دعمه الجزائريون بقوة, ووضع آلاف المسلحين سلاحهم, وبالتالي فإن مشروع العفو الجديد يفهم منه أكثر أنه سيشمل رجال الأمن, لكن الموضوع ليس من السهل الخوض فيه في بلد اتهمت منظمات حقوق الإنسان جيشه بعدم حماية المدنين خلال مجازر التسعينات, هذا إن لم يتهم بالتورط فيها أصلا.
 
ويقر فاروق قسنطيني رئيس اللجنة الوطنية لترقية حقوق الإنسان (الحكومية) بحذر ولكن بثقة كذلك من أن "العفو سيشمل الجزء الأكبر من الأفراد الذين تورطوا في العنف خلال العقد الماضي, بمن فيهم أفراد أجهزة الأمن الذين حاربوا ضد الإرهاب", وهنا يكمن حسبه الفرق بين القانون السابق والعفو القادم.
 
من يخرج العفريت
غير أن منح العفو لمن تورط في "القتال ضد العنف" بالنسبة لعائلات المفقودين يمثل عفوا عن مجرمين تسببوا في اختفاء 6146 جزائريا حسب لجنة رسمية.
 
وأكثر من ذلك فإن ما هو أكثر من العفو عن المتسببين في عمليات "الاختفاء القسري" بالنسبة لصفية فحاصي -التي اختطف زوجها للاشتباه في صلته بالجماعات الإسلامية المسلحة- حرمان عائلات الضحايا معرفة الحقيقة فهي ما زالت تأمل أن تعرف ما وقع لأحبتها, مازالت لا تعرف أأحياء هم أم أموات, وهم يخشون أن يكون قانون العفو ذريعة لإغلاق الباب على المطالبين بالحقيقة.
 
غير أن البحث عن الحقيقة موضوع غير مستساغ في جزائر ما بعد الحرب الأهلية, فالمجتمع أدار ظهره لسنوات الرعب ليتفرغ لتحديات أخرى فرضها تحرير اقتصاد البلاد.
 
كان يمكن لقانون العفو في سياق الأمن والهدوء النسبيين اللذين ينعم بهما البلد أن يكون فرصة لتواجه البلاد عفاريتها مرة وإلى الأبد, لكن من يجرأ على إخراج العفريت من القمقم؟
 
قبل أن تغادر صفية المقهى تعدل وشاحها الأسود وتقول في صوت أقرب إلى الهمس "إن ضحايا الطرفين ينظرون إلينا كمن يريد إفساد الفرحة, حتى عائلاتنا تنظر إلينا كمنكدين, وأصدقاؤنا يتحاشوننا, لأن وجودنا في حد ذاته تذكار دائم للأشياء الرهيبة التي نحن قادرون على فعلها ببعضنا البعض".
ـــــــــــــــ
المصدر : الجزيرة