مصير السلام السوداني معلق بحدود التنازل عن الثوابت

 
عندما استلمت حكومة الفريق عمر البشير زمام السلطة في السودان أعلنت الحل العسكري إستراتيجية وحيدة لوضع حد للصراع في جنوب البلاد، وشنت حربها تحت راية الجهاد لمقاتلة الحركة الشعبية لتحرير السودان الماركسية الجذور المسيحية المآل.
 
ولما بدأ التمرد في الجنوب في مايو/ أيار 1983 كان لأسباب إدارية وسياسية تتعلق بإلغاء الرئيس الأسبق جعفر النميري لاتفاقية أديس أبابا وإعادة تقسيم ولايات الجنوب، لكن إعلان النميري لقوانين إسلامية في سبتمبر/ أيلول من نفس العام تسري على كامل الأراضي السودانية صب المزيد من الزيت على جذوة التمرد، وإن لم تتخذ الحرب شكل الصراع الديني إلا بعيد قيام حكومة البشير.
 
ومع مرور الوقت طغت لغة الخطاب الديني في أدبيات الحرب فتحول الصراع إلى عقائدي فكري بعد أن كان سياسيا إداريا وظهر المتشددون بين صفوف الطرفين ليعلن تكون مدرستين متناقضتين إحداهما تدعو لسودان إسلامي عربي والأخرى لسودان جديد علماني وأفريقي التوجه.
 
ورغم هذا التناقض وما أريق من دماء وشرد من أنفس وبسبب براغماتية طرفي الحرب استطاع الجانبان التوصل إلى سلام بعد أن قدما قدرا هائلا من التنازلات عن الثوابت، وساعد في ذلك بصورة أساسية التغيرات الدولية والإقليمية التي أفرزها طغيان القوى العظمى.
 
لكن "الشيطان يكمن في التفاصيل" كما ردد قائد الحركة الشعبية جون قرنق عند توقيع اتفاق السلام في نيفاشا والدستور الذي أجازه البرلمان السوداني قبل أيام هو المكمن الرئيس لهذا "الشيطان" فهو يعج بالكثير من البنود القابلة لشتى التفسيرات، سيما ما يتعلق بحقوق المواطنة والإنسان.
 
والتفسيرات هنا ليست وفقا لاختلاف مذاهب تنشد التيسير على المؤمنين وإنما اختلاف عقائد وأيديولوجيات جثمت على طرفي نقيض طوال 22 عاما وما جسر بينها إلا مليون جثة. 
 
وسط صخب الاحتفالات بالسلام وأوبة المتمردين إلى العاصمة يلبد سؤال مهم: إلى أي مدى يستطيع الطرفان المضي في التخلي عن ثوابتهما حتى يمكنهما الحفاظ على هذا السلام المضمخ برائحة الدم. وإن حققا ذلك فلن يتبقى من هذه الثوابت شيء يبرر عدد الضحايا التي أسقطتها هذه الحرب فتصبح عبثية بجدارة شأن كل الحروب. 
___________
الجزيرة نت
المصدر : الجزيرة

المزيد من أزمات وقضايا
الأكثر قراءة