المعارضة اللبنانية .. قصة دفن الطائفية وإحيائها

محمد العلي

شهدت بيروت صباح السبت الموافق للثلاثين من أبريل/نيسان الماضي  واقعتين تحملان دلالات لا تخطئها العين.

 ففي هذا اليوم انقسم الشبان الذين تجمعوا من مختلف الطوائف للاحتجاج على اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري والمطالبة بكشف الحقيقة وإقالة قادة الأمن بحجة عجزهم على الأقل في حماية الزعيم القادم من الطائفة السنية.

وقع الانقسام عندما قرر شبان الحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط وتيار المستقبل الموالي للحريري واليسار الديمقراطي وقف مشاركتهم في "مخيم الحرية" بينما قرر شبان "التيار الوطني الحر" بزعامة القائد السابق للجيش اللبناني ميشال عون وحزب الوطنيين الأحرار بقيادة  دوري شمعون وتيار القوات اللبنانية الموالي لسمير جعجع  البقاء في الموقع مع جماعتين صغيرتين أخريين.

الانسحاب يبدو مؤشرا على انقسام بين القادة السياسيين للشبان من جميع الأطياف, وتحمل التبريرات المعلنة في سياقها ملامح خلافات بين أقطاب معارضة ظهرت فور اغتيال الحريري.

يقول المنسحبون إن مبرر بقاء المخيم انتهى بعد انسحاب القوات السورية وعزل قادة الأجهزة الأمنية, بينما يرى الآخرون أن المعركة- كما أسموها حرفيا- لم تنته ما دام سمير جعجع معتقلا وعون مبعدا وملاحقا بأحكام قضائية.

"
إذا كان انفراط عقد مخيم الحرية يؤشر بوضوح إلى زوال العوامل المشتركة التي جمعت شبان أحزاب المعارضة, فإن ترشيحات جنبلاط للصايغ وفاعور تعني أنه أدار الظهر لأي تحالف في الانتخابات المقبلة مع حلفاء الأمس
"
تعيينات مبكرة
بالتزامن مع تفكك مخيم الحرية أعلن جنبلاط أن مرشحيه للمقعدين الدرزيين في عاليه والمختارة خلال الانتخابات النيابية المقبلة هما محافظ الجنوب السابق فيصل الصايغ والقيادي في الحزب التقدمي الاشتراكي وائل أبو فاعور.

ويرى البعض أن الترشيحات المبكرة تعني أن جنبلاط ربما  أدار ظهره لأي تحالف في الانتخابات المقبلة مع حلفاء الأمس, إذ لم ينتظر مشاورات معهم  للاتفاق على المرشحين.

الانقسام في صفوف المعارضة تزامن مع بوادر انفراط عقد بالموالاة بعد الانسحاب السوري، فبعض  رموز المولاة امتدحوا عون علنا، بينما يبدو الرئيس إميل لحود وقد قرر الابتعاد عن حلفائه في حزب الله وحركة أمل الشيعيتين وراح يسعى للتقرب من المعارضة عبر مطالبة مجلس الوزراء قبل أيام بإعادة منصب مدير الأمن العام الذي شغله اللواء المستقيل جميل السيد إلى المسيحيين، وكان السيد قبل استقالته أول مسلم يشغل المنصب منذ عام 1943.

لكن مراقبين يعتقدون أن الحدث الأكثر إثارة في المشهد اللبناني المزدحم بالتفاصيل والمثقل بالتاريخ والقلق من المستقبل هو الانقسام بين جنبلاط وحلفائه.

"
بعد ولادة الحكومة بتوافق سعودي فرنسي زكته دمشق وواشنطن أخذت إشارات جنبلاط بشأن سلاح حزب الله -وهو الخطوة التالية بعد الانسحاب السوري في القرار الدولي- تميل باتجاه الدفاع عن حزب الله ورفض القرار المذكور صراحة
"

بوادر الانقسام
بوادر الانقسام بين الطرفين بدأت فور إعلان وزير الخارجية السوري فاروق الشرع أن موعد رحيل آخر جندي سوري سيكون في 26 مايو/أيار الجاري، وتعمقت بعد الولادة العسيرة للحكومة فقد أخذ الزعيم الدرزي يدافع عن حق حزب الله في حمل السلاح رغم القرار 1559 القاضي بانسحاب سوريا ونزع أسلحة المليشيات.

تعمد جنبلاط في هذا السياق أن يكون موقفه من القرار 1559 ردا مباشرا على جملة أوردها الصحفي الناشط في المعارضة المسيحية جبران تويني حول "نزول جنبلاط من قطار الـ1559". وقال إنه لم يركب أصلا "قطار" القرار المذكور حتى ينزل منه.

تزامنت تلك الإشارات مع موجة اتهامات تبادلها جنبلاط والجنرال عون بشأن لقاء الأخير ابن الرئيس إميل لحود في باريس لبحث ملفه القضائي, الأمر الذي فسره جنبلاط بعودة الطرفين للتحالف على أساس طائفي.

ورد عون من جهته على جنبلاط بالقول إن لدى  الزعيم الدرزي "أجندة خفية", وإنه يصعد من هجماته على المعارضة المسيحية حتى يبرر عودته إلى حلفائه السابقين، أي: حركة أمل وحزب الله وربما سوريا أيضا.

ما لبث جنبلاط أن دعا إلى وصاية عربية على لبنان بدلا من الوصاية الفرنسية والأميركية, وهو ما قد يعتبره القادة المسيحيون موجها ضدهم.

انقسامات المعارضة والموالاة من شأنها أن تثير غبارا أكثر كثافة يحجب التوقعات عن مستقبل لبنان في مرحلة ما بعد سوريا.
ـــــــــــ
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة